كتّاب الرأي

الاتحاد الآسيوي… خطوات خجولة لا تواكب طموح المنافسة العالمية

مع اقتراب انطلاق البطولة الآسيوية الثامنة والعشرين للأندية أبطال الدوري لكرة اليد، المؤهلة إلى كأس العالم للأندية (سوبر جلوب)، يعود الحديث مجددًا حول واقع اللعبة في القارة، ومدى قدرة الاتحاد الآسيوي على المواكبة عالميًا. فالحدث لم يعد مجرد مناسبة رياضية عابرة، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى جاهزية المنظومة الآسيوية للحضور الدولي.

ورغم الطموح، ما يزال المشهد العام يعكس فجوة واضحة بين آسيا وأوروبا، لا تتعلق فقط بالمستوى الفني، بل تمتد إلى البنية التحتية، وبرامج الإعداد، والاحتراف، والإعلام، والتحكيم، وكل ما يشكّل منظومة اللعبة الحديثة. وهنا يصبح من الضروري إعادة قراءة الواقع بعيون فاحصة، بعيدًا عن المجاملات، وبمنهجية نقدية تهدف إلى التطوير لا الهدم.

ويبرز السؤال الجوهري اليوم: هل ما زالت المنظومة الحالية قادرة على حجز مكان ثابت في خارطة كرة اليد العالمية؟ لا توجد إجابة حاسمة، لكن لا بد من الاعتراف بأن كرة اليد الآسيوية تُدار منذ عقود بالآليات ذاتها تقريبًا، دون تغييرات جذرية تواكب التحولات العالمية. وهذا ما يجعل طرح الأسئلة أمرًا لا يمكن تأجيله، خصوصًا مع اقتراب بطولة ستحدد هوية ممثل القارة في مونديال الأندية.

الفجوة مع أوروبا تبدو اليوم أكبر من أي وقت مضى. ففي الوقت الذي تمتلك فيه بعض الدول الأوروبية منظومات احترافية متكاملة تعتمد على الأكاديميات، وبرامج الإعداد طويلة المدى، والميزانيات الضخمة، ما تزال معظم الدول الآسيوية تسير بخطوات متقطعة، تعتمد على مبادرات قصيرة الأجل أو جهود فردية لا تصنع تراكمًا حقيقيًا. هذا التفاوت ينعكس بوضوح على مستوى البطولات القارية، ويجعل من الصعب على الأندية الآسيوية مجاراة نسق اللعب الأوروبي أو الاقتراب من مستوياته.

ويبرز الاحتراف الخارجي كأحد أبرز الإشكالات التي تعمّق الفجوة. فاللاعب الآسيوي ما يزال بعيدًا عن الدوريات الأوروبية، وهي البيئة التي تُصنع فيها القيمة الحقيقية للعبة. هذا الغياب يحدّ من فرص الاحتكاك، ويؤثر على جودة الأداء الدولي. كما أن التأهل إلى كأس العالم للأندية لا يعني بالضرورة أن النادي الآسيوي ضمن الأفضل عالميًا، بل هو نتيجة الفوز بالدوري المحلي، وليس انعكاسًا لقوة فنية حقيقية. وهذا الفارق بين “التمثيل” و“القوة” يفتح الباب أمام أسئلة أعمق حول ضعف منظومة الوكلاء، وغياب المسارات الاحترافية المنظمة.

وتُعد الفئات السنية نقطة ضعف واضحة في القارة. فغياب المنافسات القوية، واعتماد الأندية على استقطاب لاعبين جاهزين بدل صناعة لاعبين، كلها عوامل تعمّق الفجوة بين آسيا والعالم. كما أن غياب برامج تطوير المدربين، وغياب التخطيط طويل المدى، عناصر تجعل من الصعب بناء قاعدة صلبة يمكن الاعتماد عليها مستقبلًا.

أما التحكيم الآسيوي فما يزال يواجه تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها. فقلة الاحتكاك الدولي وغيرها من العوامل تجعل السؤال مشروعًا حول مدى جاهزية الحكام لإدارة مباريات عالية التنافس. فالحكم الآسيوي يحتاج إلى بيئة تدريبية أكثر تقدمًا، وفرص أكبر للظهور في البطولات العالمية، حتى يتمكن من مواكبة سرعة وتطور اللعبة.

وفي المقابل، يبقى دور الإعلام الرياضي في كرة اليد آسيويًا محدودًا. فغياب البرامج التحليلية المتخصصة، وقلة المقالات المهنية، وغيرها من العوامل تؤثر على قدرة اللعبة على جذب الرعاة، والتسويق، وزيادة شعبيتها، ودعم الأندية والمنتخبات. فالإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل شريك في صناعة التطوير بما يخدم مستقبل اللعبة.

وتدخل الأندية الآسيوية النسخة المقبلة وسط تفاوت واضح في الجاهزية الفنية والبدنية. وتبرز هنا أسئلة مهمة تتجاوز حدود التحليل الفني التقليدي، مثل: من الأكثر جاهزية بدنيًا وفنيًا، وهل تتفوق الكرة الخليجية أم تظهر مفاجآت من شرق آسيا. هذه الأسئلة جزء من محاولة فهم اتجاهات اللعبة في القارة، ومعرفة ما إذا كانت تسير نحو التطور أم تدور في الحلقة ذاتها.

ويبقى السؤال الأكبر: هل آسيا قادرة على المنافسة عالميًا؟ فرغم الإنجاز القطري، ما تزال بعض الأندية الآسيوية، والخليجية تحديدًا، بعيدة عن المستوى العالمي. فالفجوة مع أوروبا ليست فنية فقط. وهنا يصبح السؤال مشروعًا حول ما إذا كانت البطولة الحالية كافية لتقليص الفجوة، أم أن آسيا ستبقى مجرد “ممر عبور” نحو البطولات العالمية دون قدرة حقيقية على المنافسة.

وفي النهاية، فإن البطولة الآسيوية المقبلة ليست مجرد حدث رياضي، بل فرصة لفتح ملفات عميقة حول مستقبل كرة اليد في القارة. فالإعلام الرياضي مطالب بأن يتجاوز متابعة النتائج إلى مناقشة القضايا الجوهرية: تطوير القاعدة، الاحتراف الخارجي، التحكيم، الإعلام المتخصص، البنية التحتية، والفجوة بين الدول. فبدون إصلاحات جذرية، ستظل آسيا حاضرة في البطولات العالمية، لكنها لن تكون منافسًا حقيقيًا فيها.

بروفسور عبد العزيز المصطفى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com