من يقود المشروع في النادي؟

في كل موسم رياضي نرى المشهد ذاته يتكرر؛ مدرب يرحل، وآخر يصل، ولاعبون يغادرون وآخرون ينضمون. تتغير الأسماء بسرعة تجعل بعض الأندية تبدو وكأنها تعيش في دائرة لا تنتهي، تبدأ مشروعًا جديدًا كل عام دون أن تكتمل ملامح المشروع السابق. وسط هذا التبدل المستمر يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: من يقود المشروع الفني داخل النادي؟ وهل يمكن أن تُبنى النجاحات على أفراد، أم أن المنظومات وحدها هي القادرة على البقاء؟
الخبرة الرياضية أثبتت أن الاستقرار المالي وحده لا يصنع ناديًا مستدامًا. فالأموال تحتاج إلى رؤية، والرؤية تحتاج إلى قيادة فنية تُحسن توظيف الموارد وتحدد هوية الفريق وتضمن أن كل قرار يصب في اتجاه الهدف. من دون هذا الاتساق، يصبح النادي أسيرًا للظروف، يتأثر برحيل مدرب أو اعتزال لاعب، وتضيع سنوات من العمل مع أول تغيير إداري.
وتزداد أهمية هذا الدور في الألعاب المختلفة، حيث يؤدي غياب المشروع الفني إلى مخرجات غير واضحه، وضعف في برامج الفئات السنية، وربما توقف النشاط بالكامل بحجة عدم الجدوى. وعندما لا توجد مرجعية فنية واضحة، يصبح كل تغيير بداية جديدة، فتتغير الفلسفة، وتضيع الخبرات، ويتلاشى التراكم المعرفي الذي يُفترض أن يكون أساسًا للتطور.
على الجانب الآخر، تكشف التجارب العالمية أن الأندية الكبرى لم تُبنَ على أسماء المدربين أو النجوم، بل على مشروع فني متكامل يحافظ على هوية النادي مهما تغيرت الوجوه. وهنا يظهر دور المدير الرياضي بوصفه العقل الذي يقود المشروع، لا مجرد مسؤول عن التعاقدات. فهو من يضع الاستراتيجية، ويربط الفئات السنية بالفريق الأول، ويحدد فلسفة اللعب، ويقيس الأداء، ويوازن بين الطموح الرياضي وكفاءة الإنفاق.
وجود المدير الرياضي لا يلغي دور مجلس الإدارة ولا يقلل من قيمة المدرب، بل يصنع تكاملًا في الأدوار؛ الإدارة تحدد الاتجاه العام، والمدرب يقود الفريق داخل الملعب، والمدير الرياضي يضمن أن المشروع الفني لا يتأثر بتغير الأشخاص أو الظروف.
فالهوية الفنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ثقافة تُبنى عبر سنوات، وقرارات تُتخذ بانضباط، وعمل مؤسسي يتراكم مع الزمن. البطولات قد تُحسم في لحظات، لكن استدامتها تُصنع في التخطيط الطويل. لذلك فإن الأندية التي تبحث عن مستقبل مستقر لا يكفيها أن تصنع فريقًا قويًا، بل تحتاج إلى مشروع فني يقوده منهج واضح؛ لأن المنظومات هي التي تبقى، أما الأشخاص فدورهم مهما طال يبقى مؤقتًا.
فيصل أبو عبدالله




