كتّاب الرأي

تكدّس اللاعبين يعرقل تطوير اللعبة ويُهمّش الموهوبين

بعد نحو أربعة عقود من حضور كرة اليد السعودية، تبدو المرحلة الحالية فرصة تاريخية لإعادة بناء اللعبة على أسس معاصره تتوافق مع التحولات التي يشهدها القطاع الرياضي وكرة اليد تحديدًا.

ومع تقديرنا لرئيس الاتحاد حسن بن نصر هلال، فإن فترة رئاسته الحالية فرصة عملية لإطلاق مشروع تأسيسي يعيد تنظيم العمل الفني من جذوره، وإن مسؤولية هذه المرحلة لا تقف عند حدود إدارة مسابقات ومنافسات فقدت عنصر المتعة والإبداع، بل تتجاوز ذلك نحو بناء هوية فنية واضحة للمنتخب الوطني، تُعبّر عن أسلوب لعب سعودي يمكن التعرف عليه إقليميًا ودوليًا.

إن تأسيس هذه الهوية يبدأ من بناء منظومة تدريبية موحدة، تمتد من الفئات السنية إلى الأندية، وتتكامل مع مراكز متخصصة لاكتشاف المواهب مبكرًا، وصقلها وفق منهجية واحدة. وجود مثل هذه المنظومة سيخلق قاعدة فنية مشتركة، ويمنح المنتخب الوطني استقرارًا طويل المدى، ويضع حدًا للتفاوت الفني بين الأجيال.

وفي هذا الإطار، يشكّل وصول فريق الشباب من الصين فرصة استثنائية لإعداد جيل جديد يكون نواة المنتخب الأول خلال السنوات المقبلة. دمج هذا الفريق في برامج تطوير مكثفة، ومنحه احتكاكًا دوليًا منتظمًا، سيحوّله إلى مشروع وطني قادر على قيادة مستقبل اللعبة. ومن هنا تتأكد أهمية تضافر جهود اللجان لدعم رئيس الاتحاد في تنفيذ مبادرات هوية المنتخب الفنية، وتطوير فريق الشباب.

غير أن هذا المشروع مهدد بعائق جوهري يتمثل في تكديس اللاعبين في بعض الأندية، وهي ممارسة تُجمّد المواهب وتمنعها من التطور الطبيعي. فغياب الممارسة الميدانية يحوّل المواهب الشابة إلى عناصر خاملة، ويخلق احتكارًا فنيًا يحدّ من انتشار اللعبة ويقلل من تنوع قاعدة المنتخب الوطني.

ولمعالجة هذا الخلل، لا بد من إصلاح إداري شامل يشمل تقنين عدد اللاعبين في كل مركز في الفريق، وتفعيل الإعارات الإلزامية، وتطوير الأكاديميات بمسار تدريبي متدرج، إضافة إلى تحديد سقف التعاقدات ودعم الأندية الصغيرة لضمان توزيع صحي للمواهب. فالتجارب العالمية، الأوروبية والبرازيلية، تؤكد أن التطوير لا يتحقق دون مشاركة وممارسة ميدانية، وأن اللاعب لا ينمو ويتطور على مقاعد الاحتياط مهما بلغت موهبته.

وخلاصة، إن بناء نموذج سعودي متوازن ومستدام يتطلب شجاعة في اتخاذ القرارات، ورؤية واضحة تقود اللعبة نحو مستقبل أكثر تنافسية، وتمنح المواهب فرصة عادلة لتكون جزءًا من الهوية القادمة لكرة اليد السعودية. ولهذا أمامكم مسؤولية عاجلة لضمان أن يجد هذا الجيل طريقًا مفتوحًا للنمو، لا أبوابًا مغلقة تسهم في تسربهم أو تعيق تطورهم وتحدّ من قدرتهم على قيادة مستقبل اللعبة.

بروفسور عبد العزيز المصطفى

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. شكرا يا بروفسور على تسليط الضوء على لعبة كرة اليد اللعبة الأكثر شعبية بالمنطقة بعد كرة القدم. فعلا تكدس اللاعبين في عدد قليل من الاندية من العوامل المهمة التى تعرقل التطور والتنافس والانتشار ومتعة المتابعة مما تحصر التنافس في عدد قليل من الاندية. تطرقت يادكتور للعديد من النقاط المهمة ووضعت لها التصور من اجل التطوير واختصرت ذلك بالخلاصة. شكرا لك يادكتور

    1. الشكر لك موصول أبو أحمد على مرورك وكلماتك وتقديرك الكريم. يسعدني جدًا هذا التفاعل الجميل، خصوصًا عندما يأتي من شخص خدم اللعبة لسنوات وحقق إنجازات تُذكر وتُقدّر.
      تكدّس اللاعبين وتأثيره على التنافس وانتشار اللعبة هو بالفعل هاجس مشترك لدى المهتمين، ولذلك نحاول تسليط الضوء عليه سعياً للوصول إلى حلول عملية تُسهم في تطوير اللعبة والحد من هذه الظاهرة بما ينسجم مع مستقبل كرة اليد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com