كرة اليد بين كفاءة الإنفاق واستدامتها

تتكرر بين الحين والآخر إعلانات بعض الأندية عن تجميد نشاط كرة اليد بدعوى ارتفاع التكاليف وضعف الجدوى المالية، وهو مشهد يستدعي مراجعة تتجاوز المطالبة بزيادة الدعم. فالمشكلة لا ترتبط دائماً بنقص الموارد، بل كثيراً ما تعكس غياب الحوكمة المالية والإدارية، وضعف إدارة الأصول البشرية، والاعتماد على نماذج إنفاق غير مستدامة.
إن استمرار أي لعبة رياضية لا يتحقق بزيادة الإنفاق، بل بقدرة الأندية على إدارة مواردها بكفاءة. وهنا تبرز أهمية ربط الالتزامات المالية بالإيرادات الفعلية من دعم أو رعايات أو استثمارات، بحيث لا تتجاوز التعاقدات قدرة النادي على الوفاء بها، مع إتاحة استثناءات للحالات التي تمتلك ضمانات مالية واضحة. فمثل هذا التنظيم يحد من تراكم الالتزامات التي تنتهي غالباً بتجميد النشاط.
لكن الاستدامة المالية وحدها لا تكفي إذا أدت إلى فجوة واسعة في القدرة التنافسية. فاختلاف الإمكانات بين الأندية أمر طبيعي، إلا أن ترك سوق التعاقدات دون ضوابط قد يؤدي إلى تمركز أفضل اللاعبين في عدد محدود من الأندية، بما يضعف بقية الفرق ويهدد استمراريتها. لذلك تبدو الحاجة ملحّة إلى سياسات تعزز التوازن التنافسي، من خلال تعويض الأندية الأم عن تطوير اللاعبين المنتقلين، وربط حجم التعاقدات بالقدرة المالية الفعلية، ودراسة آليات مالية تعيد التوازن بين الأندية دون الحد من حق الأندية القادرة في الاستثمار المشروع.
كما أن الاستثمار في اللاعب السعودي يجب أن يكون جزءاً من الحل، عبر دعم عقود لاعبي الفريق الأول الشبان بما يضمن استقرار المواهب واستمرارها، مع وضع ضوابط تقلّص الفجوات غير المبررة في الرواتب، ليبقى الأداء والإنجاز هما الأساس في تحديد القيمة المالية.
ولا تقل الأجهزة الفنية أهمية عن اللاعبين، مما يستدعي حوكمة التعاقد مع المدربين—خصوصاً مدربي الفئات السنية—وفق مؤهلاتهم العلمية وشهاداتهم التدريبية وخبراتهم وإنجازاتهم، مع اعتماد نطاقات استرشادية للعقود وربط جزء من المقابل المالي بمؤشرات أداء واضحة. كما أن تنويع مصادر الدخل عبر الرعايات والأكاديميات والشراكات المجتمعية، وتطبيق نظام للترخيص المالي يلزم الأندية بالإفصاح عن أوضاعها قبل تسجيل العقود، يمثلان ركائز أساسية لاستدامة اللعبة.
إن مستقبل كرة اليد السعودية لن يتحقق إلا بمنظومة متكاملة تجمع بين الحوكمة المالية وكفاءة الاستثمار والتوازن التنافسي. فنجاح الدوري لا يقاس بحجم إنفاق بعض الأندية، بل بقدرته على إبقاء أكبر عدد ممكن من الأندية قادرة على المنافسة والاستمرار، وهو التحول الذي تستحقه كرة اليد السعودية.
فيصل أبو عبدالله






