الرياضة من ميثاق السلام إلى سيرك «التريند»

لم تُخلق الرياضة لتكون شاشةً للإعلانات، ولا ملعبًا للمراهنات، ولا سلعةً تُقاس قيمتها بعدد المشاهدات وهاشتاجات «التريند». وُلدت، في جوهرها، كمساحة يلتقي فيها المختلفون ويتنافسون دون أن يتحول المنافس إلى عدو؛ ولهذا كانت إحدى أقوى أدوات القوة الناعمة، القادرة على بناء الجسور وتعزيز الحوار حين تعجز السياسة عن ذلك.
لكن الطريق من الملعب إلى الشاشة غيّر كثيرًا من ملامحها.
فمع اتساع صناعة الرياضة وتداخلها مع الاقتصاد والإعلام والمنصات الرقمية، أصبح نجاح الحدث يُقاس بصورة متزايدة بالعائد، والمشاهدة، والضجيج. وفي ظل «اقتصاد الانتباه»، أصبح الجدل أسرع انتشارًا من الحوار، والغضب أكثر تداولًا من التفاهم، وتحولت بعض المنافسات من مساحة للتقارب إلى وقود للتعصب والاستقطاب.
وفي قلب هذا التحول يقف اللاعب.
ففي بعض النماذج التجارية، لم يعد يُنظر إليه بوصفه إنسانًا يحتاج إلى الحماية والرعاية بقدر ما يُنظر إليه باعتباره «أصلًا رياضيًا» تُقاس قيمته بالأداء والعائد والقابلية للتسويق. تُراقب بياناته، ويُستنزف جسده في جداول منافسات متزايدة الكثافة، حتى أصبح السؤال أحيانًا: كم يستطيع أن ينتج؟ بدلًا من السؤال الأهم: كيف نحافظ عليه؟
وهنا لا تكمن المشكلة في الاستثمار أو التكنولوجيا، ولا في تحول الرياضة إلى صناعة اقتصادية ضخمة؛ فكل ذلك ضروري لتطورها. المشكلة تبدأ عندما تتقدم الصناعة على الإنسان، ويتحول الربح من وسيلة إلى غاية منفصلة عن الأثر.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة تعريف الحوكمة الرياضية.
ففي إطار حوكمة الاستدامة SGF 5.0، لا ينبغي أن تقتصر الحوكمة على الإيرادات والإجراءات، بل تمتد إلى قياس القيمة والأثر من خلال V-KPIs: ماذا أضافت المؤسسة إلى صحة اللاعب ورفاهه؟ ماذا تركت في المجتمع؟ هل عززت نزاهة المنافسة؟ وهل استخدمت التكنولوجيا دون أن تفقد البعد الإنساني؟
والسؤال نفسه ينطبق على البطولات الكبرى. فنجاح البطولة لا يجب أن ينتهي بانطفاء الأضواء ومغادرة الجماهير، بل بما تتركه من معرفة، وبنية، وفرص للشباب، وإرث مستدام. فالبطولة التي تنتهي بانتهاء مراسم الختام قد تكون ناجحة تنظيميًا، لكنها لم تبلغ بالضرورة ذروة نجاحها الإنساني.
أما الإعلام الرياضي، فقد أصبح شريكًا في صناعة الوعي، لا مجرد ناقل للنتائج. وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، تصبح حوكمة المحتوى الرقمي جزءًا من حوكمة الرياضة نفسها؛ لأن مقطعًا مفبركًا قد يهدم سمعة لاعب، وكلمة قد تشعل التعصب، وخوارزمية قد تحول المنافسة إلى كراهية عابرة للحدود.
لذلك، لا تحتاج الرياضة إلى العودة إلى الماضي، ولا إلى رفض التكنولوجيا، بل إلى نموذج أكثر نضجًا يجعل الاقتصاد والتكنولوجيا في خدمة الإنسان والقيم. يمكن للرياضة أن تكون صناعة بمليارات الدولارات، وأن تستخدم الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، وفي الوقت نفسه تظل مدرسة للانضباط والاحترام والسلام.
لقد وصلت الرياضة إلى لحظة فارقة:
إما أن تستسلم لمنطق «التريند»، حيث يصبح الصخب قيمةً والغضب محتوىً والانتباه سلعة، وإما أن تعيد بناء منظومتها على أساس يضع الإنسان في مركز المعادلة.
ولهذا، ربما آن الأوان لأن يتغير السؤال:
ليس: كم حققنا؟
بل: ماذا تركنا؟
فالبطولة الحقيقية ليست التي تحصد أكبر قدر من المشاهدات، بل التي تترك إنسانًا أفضل، ولاعبًا أكثر أمانًا، وشبابًا أكثر وعيًا، ومجتمعًا أكثر تماسكًا.
وعندها فقط تعود الرياضة إلى رسالتها الأولى:
منافسةٌ تصنع الإنسان… وقوةٌ ناعمةٌ تصنع السلام.
د. ليندا توفيق





