التعليق الرياضي… فن التواصل الذي يصنع هوية القنوات الرياضية

من أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الرياضي اليوم تكليف بعض المعلّقين بالتعليق على مختلف الألعاب دون تخصص. وفي زمن تتقدم فيه الرياضة بخطى ثابتة نحو الاحتراف والحوكمة، يصبح احترام التخصص عنصرًا أساسيًا في جودة العمل الإعلامي. فمثل هذا الأسلوب يضعف جودة البث ويشوّه هوية الألعاب، لأن كل رياضة جماعية أو فردية تمتلك لغتها وتكتيكها وإيقاعها الذي لا يمكن إتقانه إلا بالتخصص.
إن انتقال المعلّق الرياضي بين ألعاب مختلفة مثل كرة القدم وكرة اليد والسلة والطائرة وألعاب القوى والجمباز وسباقات الخيل يعكس غياب التخصص الذي تتطلبه طبيعة العمل الإعلامي الرياضي. فلكل لعبة خصوصيتها الفنية وقوانينها ومصطلحاتها، ما يجعل الإلمام العميق بها شرطًا أساسيًا لتقديم تعليق مهني ودقيق. وقد برزت في العقود الماضية أصوات رسّخت هذا المفهوم من خلال التزامها بالتخصص، مثل محمد لطيف وخالد الحربان ويوسف سيف، الذين عُرفوا بتقديم تعليق متوازن وواضح قائم على المعرفة والخبرة، الأمر الذي جعل حضورهم مقبولًا لدى الجمهور.
التعليق الرياضي ليس مجرد وظيفة صوتية، بل هو فن معرفي وصوتي متكامل يحتاج إلى دراسة ومتابعة وخبرة، ليتمكن المعلّق من تقديم الوصف والتحليل الذي يليق بجمال اللعبة وإيقاعها. فالتعليق على كرة القدم يختلف عن كرة اليد، ولا يشبه تعليق كرة السلة أو الطائرة، ولا يمت بصلة لتعليق ألعاب القوى أو الجمباز أو سباقات الخيل. فلكل لعبة هوية خاصة؛ فـكرة القدم تعتمد على قراءة الملعب والإيقاع الطويل، بينما كرة اليد لعبة سريعة تحتاج وصفًا لحظيًا مكثفًا، وكرة السلة تقوم على الأرقام والإحصائيات والتوقفات المتكررة، أما الطائرة فتتطلب معرفة دقيقة بالإرسال والاستقبال والإعداد والبلوك. وفي المقابل، تحتاج الألعاب الفردية مثل سباقات الخيل والملاكمة وألعاب القوى والجمباز إلى معرفة تقنية دقيقة لا يمكن اكتسابها بالاجتهاد الفردي.
إن محاولة المعلّق الواحد تغطية كل هذه الألعاب تؤدي إلى فقدان العمق الفني، وتكرار الأسلوب، وإعاقة تطور الرياضة إعلاميًا، لأن الجمهور لا يتلقى المحتوى المتخصص الذي تستحقه كل لعبة. ولتحسين جودة التعليق، يقوم المقترح على تعزيز التخصص الوظيفي بحيث يلتزم كل معلّق بلعبة محددة أو لعبتين على الأكثر، مع تطبيق نظام تقييم مهني يضمن التطوير المستمر، وتوزيع عادل للمعلّقين بين الألعاب المختلفة، ومنع التكليف العشوائي الذي يضر بجودة البث، إضافة إلى تعزيز التعاون مع الاتحادات الرياضية لضمان دقة المصطلحات ومواكبة التحديثات.
وخلاصة القول: إن التعليق الرياضي فن مستقل، تمامًا مثل التدريب والتحكيم والإخراج التلفزيوني، ولا يمكن أن يبدع فيه من يتنقل بين الألعاب دون دراسة أو فهم عميق لخصوصية كل رياضة. ولهذا فإن التخصص لم يعد خيارًا إضافيًا، بل ضرورة ملحّة إذا أردنا رياضة ترتقي، وإعلامًا يحترم عقل المشاهد، ومحتوى يليق بمستوى المنافسات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن تعيد الجهات المسؤولة النظر في هذا الأسلوب، وأن تتجه القنوات الرياضية نحو تبنّي مبدأ التخصص، بحيث يكون لكل لعبة معلّقون محترفون قادرون على إبراز جمالها، ونقل تفاصيلها، وإثراء تجربة المشاهد بما يعكس قيمة الرياضة الحقيقية.
بقلم : بروفسور عبد العزيز المصطفى






