خبرات حراس المرمى… بوابة تكتيكية إلى عالم التدريب

تعمل صحيفة الوطن الرياضي لكرة اليد على ترسيخ خطاب رياضي موضوعي وتعزيز حضور كرة اليد السعودية والعربية في فضاء التحليل المهني والثقافي. ومن خلال لقاءاتها الدورية التي تجمع كتّاب الرأي والمهتمين، تشجع الصحيفة الجميع على طرح آرائهم ومقترحاتهم بما يسهم في رفع مستوى الوعي وتطوير ثقافة كرة اليد. ولا تكتفي الصحيفة بنشر الأخبار، بل تتجه إلى مناقشة القضايا المتعلقة باللعبة وطرح الأسئلة التي تدفع نحو الارتقاء بها.
خلال الاجتماع الدوري الأخير، طُرحت قضية أهلية حراس المرمى للعمل كمدربين فنيين بوصفها زاوية منسية في النقاش الرياضي. وأظهر الحوار أن الأمر يتجاوز رأيًا فرديًا إلى كونه جزءًا من ثقافة سائدة ترى أن الحارس يفتقر إلى المهارات اللازمة لقيادة العمل الفني. هذا الطرح كشف عن تباين واضح في النظرة لدور الحارس، وفتح المجال لتحليل أعمق للأبعاد الفنية والثقافية التي أسهمت في ترسيخ هذا الاعتقاد.
يقوم التدريب الفني على مهارات التحليل التكتيكي، والتواصل، وإدارة اللاعبين، والتخطيط، واتخاذ القرار تحت الضغط، بينما يبرز الجانب النفسي مهارات القيادة، والتحفيز، وبناء الثقة، وإدارة الفريق. ولا يوجد أي دليل علمي ينفي قدرة حراس المرمى على امتلاك هذه الصفات، بل إن قلّة الحراس الذين انتقلوا إلى التدريب — رغم تميزهم — مقارنة بلاعبي الميدان أسهمت في ترسيخ المفهوم الخاطئ حتى أصبح جزءًا من الثقافة الشائعة.
وعلى العكس من ذلك، تكشف الأدلة العلمية الحديثة أن الحارس يمتلك مزيجًا فريدًا من القدرات المعرفية والتكتيكية والإدراكية التي تجعله مرشحًا طبيعيًا للعمل الفني. فقد أظهرت دراسة هيوسمان وفريقه (2023) قدرة الحراس العالية على قراءة نوايا الخصم وتحليل الإشارات الحركية بدقة، وأكدت دراسة لامن وزملائه (2019) امتلاكهم مهارات معرفية متقدمة مثل التوقع واتخاذ القرار تحت الضغط. كما أوضحت دراسة سانيز دي باراندا (2020) أن موقع الحارس يمنحه رؤية شاملة للملعب تجعله الأكثر قدرة على فهم التمركزات الدفاعية والهجومية، وأضافت دراسة كنوب (2021) أن الحراس يتميزون بمهارات إدراكية مثل التنبؤ وقراءة أنماط اللعب، فيما أثبتت دراسة هاتزمانيولي (2022) أن الحارس عنصر تكتيكي مؤثر في نتائج الفريق، وأن دوره يتداخل مع تنظيم الدفاع والهجوم المرتد.
هذه النتائج مجتمعة تنسف الثقافة الشائعة، وتؤكد أن الحارس يمتلك مؤهلات تدريبية حقيقية، بل قد يتفوق في بعض الجوانب على لاعبي الميدان. ويعزز ذلك الواقع العملي الذي قدّم نماذج بارزة لحراس تحولوا إلى مدربين ناجحين.
وفي كرة القدم، تتكرر الظاهرة ذاتها؛ فقد لمع عدد من الحراس الذين انتقلوا إلى التدريب وحققوا نجاحات لافتة، مثل نونو إسبيريتو سانتو، ووالتر زينغا، وجوليان لوبيتيغي، وبراد فريدل، ودييغو لوبيز، وبادو الزاكي، ودينو زوف. وتُظهر هذه النماذج أن الحارس يمتلك من الخبرة والرؤية الشاملة ما يؤهله لقيادة الفرق الفنية كما صنعه سابقًا من داخل منطقة الجزاء.
وخلاصة القول، يتبيّن أن تفوق المدربين الذين كانوا حراس مرمى سابقين ليس أمرًا استثنائيًا؛ فالتجربة الميدانية ليست شرطًا للتدريب الناجح، والدليل على ذلك نماذج عالمية بارزة مثل كارلوس ألبرتو باريرا، وأريغو ساكي، وجاي رو، الذين لم يمارسوا اللعب الاحترافي أصلًا. إن الثقافة الرياضية السائدة وقلة الفرص المتاحة هما ما أبعد الحراس عن المناصب الفنية، لا ضعفًا في إمكاناتهم. ومع تراكم الأدلة العلمية والعملية، أصبح من الضروري تجاوز هذا المفهوم التقليدي وفتح المجال أمام الحراس المؤهلين لأخذ دورهم الطبيعي في التدريب، مستفيدين مما يمتلكونه من أدوات تحليلية وتكتيكية تمكّنهم من قيادة الفرق وصناعة النجاحات.
بروفسور عبد العزيز المصطفى






