تقييم اداء المنتخب يبدأ من الأندية

لا يبدأ تقييم أداء المنتخبات، وخصوصًا منتخبات الناشئين، من المعسكرات التي تسبق البطولات، بل من سنوات التكوين داخل الأندية. فحين يظهر منتخب الناشئين في بطولة، تتجه الأنظار عادةً إلى المدرب والمعسكر واللاعبين، رغم أن ما يُعرض في تلك اللحظة ليس إلا حصيلة عملٍ طويل بدأ قبل ذلك بسنوات.
وتبدأ القصة من نقطة مختلفة تمامًا: من المدرب الذي يرافق اللاعب في أولى مراحل تكوينه.
فعملية اختيار مدرب الفريق الأول في الأندية تتم عادةً وفق معايير دقيقة ترتبط بالنتائج المباشرة؛ تُراجع الشهادات والخبرات، وتُقاس القدرة على إدارة المباريات وتحقيق المكاسب السريعة. فمدرب الفريق الأول يقود مجموعة جاهزة نسبيًا، ويُحاسَب على ما يظهر في جدول المنافسة.
على الجانب الآخر، يعمل مدرب الفئات السنية مع لاعب لم تكتمل أدواته بعد؛ لاعب يحتاج إلى تعليم المهارة، وتصحيح السلوكيات، وبناء الفهم التكتيكي، وتعزيز الثقة. ولهذا، فإن مدرب الفئات السنية ليس مجرد نسخة من مدرب الفريق الأول يعمل مع لاعبين أصغر سنًا، بل هو شريك أساسي في صناعة اللاعب من البداية.
ومن هنا، يصبح السؤال الأهم ليس تكلفة التعاقد مع المدرب، بل قيمة الاختيار نفسه: من هو المدرب الذي يُؤتمن على السنوات الأولى من تكوين لاعب قد يمثل النادي والمنتخب مستقبلًا؟
فاللاعب الذي يدخل النادي اليوم بحلم صغير، قد يقف بعد سنوات أمام الجماهير مرتديًا قميص الفريق الأول أو المنتخب. وبين اللحظتين، هناك آلاف الساعات من التدريب والتوجيه والتصحيح، يقودها مدرب قادر على وضع الأساس الصحيح لكل مرحلة.
لكن صناعة اللاعب لا تعتمد على جودة المدرب وحدها؛ بل تحتاج إلى منهج واضح وتراكم مستمر. فالتغيير المتكرر للمدربين دون رؤية موحدة يجعل اللاعب يبدأ من الصفر في كل موسم، بينما يفترض أن ينتقل من مرحلة إلى أخرى وهو يبني على ما تعلمه سابقًا.
فالتكوين الحقيقي لا يُقاس ببطولة عابرة، بل بما يضيفه النادي إلى اللاعب عامًا بعد عام، حتى يصبح وصوله إلى الفريق الأول نتيجة طبيعية لمسار طويل.
وقد يبدو اختيار مدرب أقل كفاءة بدافع تقليل التكلفة قرارًا يوفر على النادي في الحاضر، لكنه يتحول لاحقًا إلى تكلفة أكبر؛ حين يضطر النادي للبحث عن لاعب جاهز كان يمكن أن يصنعه بنفسه.
لذلك، لا يتعلق الأمر بمساواة مدرب الفئات السنية بمدرب الفريق الأول في المقابل أو المسؤوليات، بل بأن تكون صرامة الاختيار متناسبة مع حجم الأثر الذي يصنعه.
فالفريق الأول يعكس ما بناه النادي، أما الفئات السنية فهي نقطة البداية لهذا البناء. وما لا يزرعه النادي اليوم، سيبحث عنه غدًا في ملاعب الآخرين… وقد لا يجده. وعندها، يظهر أداء المنتخب كصدى متأخر لما حدث في سنوات التكوين.
فيصل أبو عبدالله






