توهج «اليد» الكويتية.. وعقدة غياب القادسية

كتب – خالد الملحم
هناك حقيقة لا يمكن إنكارها، الدوري الكويتي الممتاز لكرة اليد يعيش واحدة من أفضل مراحله منذ سنوات. مستوى فني متصاعد، محترفون يصنعون الفارق، لاعبون كويتيون يقدمون أنفسهم بصورة مميزة، نقل تلفزيوني يواكب الحدث، استوديوهات تحليلية تضيف قيمة للمشاهد، واهتمام رسمي باللعبة منحها مساحة تستحقها. كل هذه العناصر لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج عمل ورؤية واستثمار.
وفي المقابل، من الظلم اختزال هذا النجاح في هوية البطل أو النادي الأكثر تتويجاً، فالبطولات لا تُحسم بالشعارات، بل بالإدارة، والتخطيط، والاستقرار، والقدرة على بناء مشروع رياضي ناجح. لذلك، لا يعيب أي فريق يحقق الألقاب أنه نجح فيما عجز عنه الآخرون لكن، ورغم هذا المشهد الإيجابي، يبقى هناك فراغ لا يمكن تجاهله، فراغ اسمه القادسية.
قد تختلف الآراء حول الأسباب التي دفعت مجلس إدارة القادسية إلى تجميد نشاط الفريق الأول لكرة اليد، وقد تكون هناك مبررات يراها المجلس مقنعة، لكن يبقى السؤال المشروع: هل كان التجميد هو الحل الوحيد؟
الأندية الكبيرة لا تُقاس فقط بعدد بطولاتها، بل أيضاً بقدرتها على تجاوز الأزمات. وكل نادٍ يمر بظروف صعبة، سواء كانت مالية أو إدارية أو فنية، لكن القرارات الكبرى يجب أن تُبنى على رؤية للمستقبل، لا على معالجة أزمة آنية قد تخلّف آثاراً أكبر.
التجميد يشبه إغلاق باب قد يكون فتحه لاحقاً أكثر صعوبة، فالعودة لن تعني مجرد تسجيل فريق في الدوري، بل إعادة بناء منظومة كاملة، تضم اللاعبين والجهاز الفني والهوية التنافسية، إلى جانب استعادة جمهور اعتاد رؤية القادسية منافساً لا متفرجاً.
وفي خضم هذه التطورات، برزت المبادرة التي تقدم بها رجل الأعمال الكويتي فهد عبدالرحمن البكر للاستثمار في إدارة كرة اليد بنادي القادسية لمدة خمس سنوات، وهي مبادرة تستحق أن تُقرأ بعين مختلفة، لأنها تفتح باباً جديداً للحلول بدلاً من الاكتفاء بتشخيص المشكلة. مثل هذه المبادرات تمنح إدارة النادي مساحة أكبر لإعادة النظر في قرار التجميد، كما تستحق في الوقت ذاته وقفة جادة من الهيئة العامة للرياضة لدعم هذا النوع من التوجهات وتشجيعها، باعتبارها تمثل نموذجاً عملياً للشراكة بين القطاع الخاص والرياضة.
فالاستثمار الرياضي لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح أحد أهم الأدوات لضمان استدامة الألعاب الجماعية، وتخفيف الأعباء المالية عن الأندية، وخلق بيئة أكثر احترافية في الإدارة والتطوير. وكلما وجدت الشركات بيئة تشريعية وإدارية مشجعة، ازدادت فرص نجاح هذه التجارب بما يخدم الرياضة الكويتية بشكل عام.
العلاج لأي مشكلة لا يكون بالانسحاب من المشهد، لأن الانسحاب لا يحل الأزمة، بل يؤجلها ويضاعف كلفتها. أما الاستمرار، حتى في أصعب الظروف، فهو يمنح النادي فرصة لتصحيح المسار دون أن يفقد مكانته.
الدوري الكويتي اليوم يسير في الاتجاه الصحيح، لكنه سيكون أكثر قوة عندما تعود جميع أنديته التاريخية إلى مكانها الطبيعي، فنجاح البطولة لا يكتمل بتألق فريق أو اثنين، بل بحضور جميع الكبار.
ويبقى الأمل أن يكون غياب القادسية مجرد محطة مؤقتة، وأن تكون المبادرات الاستثمارية بداية لمرحلة جديدة تعيد الفريق إلى مكانه الطبيعي، لأن كرة اليد الكويتية ربحت الكثير في السنوات الأخيرة، ولا تحتمل خسارة أحد أعمدتها التاريخية، بل تحتاج إلى تكاتف الجميع، الأندية، والهيئة الرياضية، والقطاع الخاص، للحفاظ على هذا الزخم والبناء عليه.






