كتّاب الرأي

مفارقة اليد الآسيوية – ألقاب بلا جوائز واستثمارات بلا عوائد!

كتب – خالد ملحم

في الوقت الذي تُعد فيه كرة اليد الرياضة الجماعية الثانية من حيث الشعبية في العديد من الدول الآسيوية، تكشف المقارنة المالية بين الاتحاد الآسيوي لكرة اليد ونظيره الأوروبي عن فجوة لا تتوقف عند حدود الفنيات والتكتيك داخل الملعب، بل تجسد خبراً مؤلماً في مفاهيم الاستثمار وصناعة الرياضة الحديثة.

على أرض الملعب، يخوض لاعبونا ملحمات بدنية وقتالية لحصد الميداليات الذهبية ورفع أعلام بلدانهم في كأس آسيا، لكن المفارقة التناقضية تكمن في اللحظة التي يرفع فيها القائد الكأس، إذ يكتشف أن “الجائزة” الوحيدة التي يُقدمها الاتحاد الآسيوي هي ورقة التأهل إلى بطولة العالم! في المقابل، يغادر بطل أمم أوروبا الملعب وهو يحمل الكأس ذاتها، رفقة شيك مالي يتجاوز نصف مليون يورو، فضلاً عن ملايين اليوروهات التي تُوزع على جميع الاتحادات الوطنية المشاركة وفق نتائجها.

تزداد هذه الصورة عمقاً وتناقضاً عندما ننظر إلى الاستثمارات الهائلة التي تضخها الاتحادات والأندية الآسيوية للتحضير لهذه المسابقات، فالأندية والمنتخبات تسعى جاهدة للتعاقد مع مدربين عالميين، واستقطاب نخبة المحترفين من الدوري الأوروبي برواتب خيالية وعقود مؤقتة مرتفعة التكلفة، ناهيك عن المعسكرات الخارجية الطويلة والتكاليف اللوجستية الباهظة.
تُنفق الأجهزة الرياضية المحلية عشرات الآلاف من الدولارات لضمان التنافسية، بينما يقف الاتحاد القاري في موقف المنتظر، ليقدم بطولة بلا جوائز مالية تُذكر، وبلا عائد تجاري يعوض تلك التكاليف.

حتى على المستوى الدولي، يتبنى الاتحاد الدولي لكرة اليد نموذجاً أكثر استثماراً وإنصافاً، إذ لا يكتفي بمنح مكافآت مالية لبطولات العالم فحسب، بل يُقر نظاماً لتعويض المنتخبات الأندية وتأمين اللاعبين المشاركين، ويخصص ميزانية جوائز ضخمة تناهز المليون دولار لبطولة العالم للأندية لبطولة سوبر جلوب. هذا النهج الدولي والأوروبي يُبرز بوضوح غياب الرؤية التسويقية لدى الاتحاد الآسيوي، الذي يُصر على التعامل مع مسابقاته كـ “تصفيات مؤهلة” بدلاً من تسويقها كمنتج تجاري يجني الأرباح.
لقد نجح الأوروبيون والدوليون في تحويل كرة اليد إلى منتج استثماري يُباع بأسعار خيالية لشبكات البث والرعاة الكبار.
أما في آسيا، فلا تزال اللعبة تعتمد بشكل شبه كامل على الدعم الحكومي والمكرمات المالية التي تقدمها اللجان الأولمبية والوزارات المحلية للاعبين عند تحقيق الإنجازات.

إن استمرار الاتحاد الآسيوي في الاكتفاء بالدور التنظيمي واللوجستي وترك الجانب التسويقي للمصادفة يباعد المسافة أكثر بيننا وبين النموذج العالمي، لقد حان الوقت لكي يتحول الاتحاد القاري من مجرد “منظم مسابقات” إلى “مستثمر رياضي”؛ فبدون جوائز مالية مجزية وعقود رعاية ضخمة تُعيد تدوير الأرباح للمشاركين، ستظل بطولاتنا القارية تدور في رحى الهواية، بينما يحلق الجميع بعيداً في عالم الاحتراف الكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com