كتّاب الرأي

من يطفئ أنوار الصالات؟.. أزمة ندرة مالية أم انكسار رؤية حوكمية؟

عندما تنطفئ أنوار صالة رياضية، لا تنطفئ مباراة فقط… بل قد تنطفئ معها أحلام جيل كامل من اللاعبين، وهوية نادٍ، وذاكرة جماهير اعتادت أن ترى في ألعاب الصالات جزءًا من روحها الرياضية.

اليوم، تتصدر قرارات تجميد نشاط كرة اليد المشهد الرياضي العربي، في وقت تواجه فيه الأندية ضغوطًا متزايدة بفعل ارتفاع التكاليف التشغيلية وتراجع العوائد الاستثمارية. وبين أندية تُغلق أبواب الفريق الأول تحت شعار «إعادة الهيكلة»، وأخرى تُعلّق نشاطها احتجاجًا على قرارات إدارية أو نزاعات تنظيمية، تتكرر الصورة ذاتها: صالات تُطفئ أنوارها واحدة تلو الأخرى.

لكن السؤال الحقيقي ليس: كم بلغت الخسائر المالية؟

بل: هل أصبحت كرة اليد، ثاني أكثر الألعاب شعبية وجماهيرية عربيًا، ضحية لانكسار الرؤية الاستراتيجية المستدامة؟

يرى كثير من المحللين أن جذور الأزمة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في طريقة التفكير ذاتها. فبعض الإدارات لا تزال تتعامل مع ألعاب الصالات باعتبارها «عبئًا ماليًا» يمكن الاستغناء عنه عند أول اختبار اقتصادي. وهذا ما يُعرف في أدبيات الإدارة بسياسات الترشيد الانكماشي؛ أي اللجوء إلى التراجع وتقليص النشاط بدلًا من الابتكار وإعادة التموضع.

ومن منظور حوكمة الاستدامة 5.0، فإن قيمة النادي لا تُقاس فقط بحجم ميزانيته، بل بما يحققه من أثر اجتماعي وتنموي وتنافسي طويل المدى. فالفريق الأول ليس مجرد بند في المصروفات، بل هو قمة الهرم التي تمنح الناشئين حلمًا وهدفًا ومسارًا واضحًا للتطور.

وعندما يُجمَّد الفريق الأول بينما تستمر قطاعات الناشئين، فإن الرسالة الضمنية التي تصل إلى المواهب الصغيرة هي أن الطريق الذي يسيرون فيه قد ينتهي إلى باب مغلق. وهنا لا نتحدث عن قرار مؤقت، بل عن تفريغ تدريجي للبناء الرياضي من داخله.

الأخطر أن تبرير الأزمة بالعقود والمصروفات فقط ينقل القضية من «نقص الموارد» إلى عجز الإدارة عن إنتاج موارد جديدة. فنحن نعيش عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي واقتصاد الجماهير الرقمية، بينما لا تزال بعض ألعاب الصالات تُدار بعقلية انتظار الدعم الحكومي أو اقتطاع جزء من عوائد كرة القدم.

الحوكمة الحديثة لا تلغي الألعاب، بل تعيد هندسة نماذج أعمالها عبر أدوات عملية، مثل:

•⁠  ⁠الخصخصة الجزئية للفرق والأنشطة.

•⁠  ⁠سقف أجور مرن مرتبط بالأداء والعائد.

•⁠  ⁠استثمار المحتوى الرقمي والبث والمنصات الجماهيرية.

•⁠  ⁠بناء شراكات مع القطاع الخاص والجامعات والمجتمع المحلي.

•⁠  ⁠تحويل اللعبة من مركز تكلفة إلى منصة قيمة اجتماعية وتسويقية.

 

أما النزاعات الإدارية مع الاتحادات والجهات التنظيمية، فهي تكشف بدورها عن غياب إدارة المخاطر والحوكمة الوقائية. فعندما يتوقف النشاط بسبب طعن انتخابي أو خلاف لوائحي، يصبح اللاعبون والجماهير هم الضحية الأولى، بينما تفتقد المنظومة إلى آليات وساطة مستقلة قادرة على تحييد اللعبة عن الصراعات الإدارية.

إن إغلاق فريق أول لا يعني خسارة بطولة فحسب، بل يعني فقدان قدوة للأجيال، وتراجع الحضور الجماهيري، وانخفاض القيمة التسويقية للعبة، واتساع الفجوة بين الرياضة والتنمية المجتمعية.

ولهذا فإن تجميد النشاط ليس قرارًا شجاعًا ولا حلًا استراتيجيًا، بل هو اعتراف بتوقف آليات الابتكار الإداري. والمطلوب اليوم من صناع القرار ليس إطفاء الأنوار لتقليل الفاتورة، بل إعادة تشغيل المنظومة بعقلية الجيل الخامس للحوكمة؛ عقلية ترى في الأزمة فرصة لإعادة البناء، لا مبررًا للتراجع.

إضاءة حوكمية

الأندية لا تُقاس بعدد الألعاب التي تتخلى عنها عند أول أزمة، بل بقدرتها على تحويل الأزمات إلى نماذج جديدة للنمو. فإطفاء أنوار الصالات قد يخفض فاتورة اليوم، لكنه يرفع كلفة المستقبل… ويؤجل مواجهة السؤال الأصعب: من يدير الأزمة، ومن يصنع المستقبل؟

بقلم: د. ليندا توفيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com