حماية الأندية.. هيئة الرقابة تضبط سقف العقود

كتب – جاسم الفردان
تمثل الإجراءات التي تتخذها هيئة الرقابة في وزارة الرياضة السعودية تجاه العقود التي تتجاوز السقف المالي المحدد للأندية المتعثرة خطوة مهمة في حماية الأندية من العودة إلى دوامة الديون، خصوصًا أن معالجة المديونيات لا يمكن أن تنجح في الوقت الذي تستمر فيه عقود مرتفعة القيمة بإضافة التزامات جديدة إلى ميزانيات الأندية.
ورفض عدد من العقود بسبب تجاوز السقف المحدد، إلى جانب مطالبة الأندية بإجراء تعديلات على بعض العقود، يعكس توجهًا واضحًا نحو التعامل مع الإنفاق الرياضي وفق القدرة المالية الحقيقية للنادي، وليس وفق رغبة النادي أو اللاعب وحدها.
وتبرز هنا نقطة مهمة، وهي أن الأندية المتعثرة لم يعد بإمكانها التعامل مع التفاوض على العقود باعتباره مساحة مفتوحة بلا حدود, فهناك سقف مالي وضعته الجهات الرقابية، وبالتالي فإن النادي الذي يعاني من التزامات مالية سابقة لا يستطيع مجاراة أي مطالبة مالية إذا تجاوزت الحدود المعتمدة.
وهذا يعني أن السقف المالي أصبح بمثابة خط أحمر مالي أمام الأندية المتعثرة، مهما كانت رغبتها في إتمام الصفقة أو أهمية اللاعب بالنسبة إلى الفريق, فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بقدرة النادي على التفاوض والوصول إلى اتفاق، وإنما بقدرته على اعتماد العقد والوفاء بالتزاماته دون الإضرار بوضعه المالي.
ومن هنا فإن بعض الأندية قد تجد نفسها مضطرة للعودة إلى طاولة التفاوض، سواء لتخفيض القيمة المالية للعقد أو إعادة توزيع بنوده، بما يجعله متوافقًا مع السقف المحدد وقدرة النادي على تحمله.
وتكمن أهمية هذا الإجراء في أنه يضع حدًا عمليًا لتضخم قيمة العقود، ويمنع الأندية المتعثرة من استنزاف الجزء الأكبر من ميزانياتها في عدد محدود من اللاعبين. فلا يعقل أن تذهب ميزانية ضخمة إلى لاعبين أو ثلاثة، ثم يجد النادي نفسه أمام صعوبة في توفير احتياجات بقية الفريق أو الوفاء بالتزاماته الأخرى.
كما أن ضبط سقف العقود يفرض على الإدارات الرياضية أن تكون أكثر واقعية في اختياراتها، وأن تبحث عن التوازن بين القيمة الفنية للاعب والتكلفة المالية للتعاقد معه.
فبناء فريق قوي لا يعني بالضرورة دفع أعلى الأسعار، وإنما اختيار العناصر التي تحقق الإضافة الفنية ضمن الإمكانات المتاحة، وهو ما يجعل العمل الإداري والمالي جزءًا أساسيًا من نجاح المشروع الرياضي.
ويمثل تدخل هيئة الرقابة في هذه المرحلة نوعًا من الحماية الوقائية, فالتدخل قبل اعتماد العقد أفضل بكثير من انتظار توقيعه ثم تراكم مستحقاته وتحوله إلى قضية مالية جديدة على النادي.
فالديون لا تبدأ دائمًا من أرقام ضخمة، وإنما قد تبدأ من مجموعة من العقود والالتزامات التي تبدو في وقتها قابلة للتحمل، قبل أن تتراكم على المدى الطويل وتتحول إلى عبء يصعب التخلص منه ولهذا فإن مراجعة العقود قبل اعتمادها تمنح النادي فرصة لتصحيح قراره المالي قبل أن يتحول إلى التزام طويل الأجل.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود سقف مالي لا يعني أن جميع اللاعبين يجب أن يحصلوا على القيمة نفسها، ولا أن النادي ممنوع من التعاقد مع لاعب ذي قيمة فنية عالية، وإنما يعني أن العقد يجب أن يبقى داخل الحدود التي يستطيع النادي تحملها وفق وضعه المالي.
فاللاعب صاحب القيمة الفنية الكبيرة يمكن أن يحصل على عقد أفضل من غيره، لكن ذلك يجب أن يتم في إطار الميزانية والسقف المعتمد، وليس على حساب الاستقرار المالي للنادي.
وهنا تظهر أهمية التفاوض الذكي، فبدلًا من الدخول في منافسة مالية مفتوحة، يمكن للأندية البحث عن صيغ تعاقدية أكثر توازنًا تتناسب مع قدراتها وتحقق في الوقت نفسه مصلحة اللاعب والنادي.
هذه الإجراءات تدفع الأندية أيضًا إلى إعادة النظر في طريقة التفاوض. فاللاعب من حقه أن يطلب القيمة التي يراها مناسبة، لكن النادي المتعثر لم يعد قادرًا على مجاراة كل المطالب المالية إذا كانت تتجاوز السقف المعتمد.
ولهذا فإن إعادة التفاوض وتعديل العقود أصبحت جزءًا من الحل، خصوصًا في الحالات التي تكون فيها القيمة الأصلية مرتفعة ولا تتناسب مع الوضع المالي للنادي.
وقد تكون هذه المرحلة صعبة على بعض الإدارات، لكنها في المقابل تفرض عليها الانتقال من سياسة البحث عن الصفقات بأي تكلفة إلى سياسة بناء فريق يتناسب مع الموارد المتاحة.
والأهمية الأكبر لهذه الخطوة أنها تنقل التعامل مع الديون من مرحلة العلاج بعد وقوع المشكلة إلى مرحلة الوقاية قبل نشوء الالتزام.
فالرقابة على العقد قبل اعتماده تمنع النادي من إضافة عبء جديد قد يستمر لسنوات، وتحافظ في الوقت نفسه على الأموال المخصصة للنادي وتتيح توزيعها بصورة أكثر توازنًا على الفريق واحتياجاته المختلفة.
كما أن هذا الإجراء يرسخ مبدأ مهمًا، ليس كل ما يستطيع النادي التفاوض عليه يستطيع تحمله ماليًا.
فقد ينجح النادي في إبرام عقد كبير، وقد ينجح اللاعب في الحصول على القيمة التي يريدها، لكن النجاح الحقيقي يجب أن يقاس بقدرة النادي على الوفاء بهذا العقد دون أن يضر بمستقبل الفريق أو يعيد إنتاج الديون.
ومن هنا تأتي أهمية دور هيئة الرقابة في وزارة الرياضة، فهي لا تتدخل لمجرد رفض العقود، وإنما تعمل على حماية الأندية من قرارات مالية قصيرة المدى قد تكون نتائجها طويلة المدى، خصوصًا للأندية التي تحاول الخروج من تراكمات مالية سابقة.
والرسالة الأوضح للأندية المتعثرة هي أن مرحلة الإنفاق المفتوح أصبحت أكثر صعوبة، وأن سقف العقود يمثل حدًا لا يمكن تجاوزه بمجرد رغبة الإدارة أو اللاعب.
وفي النهاية، فإن رفض العقود التي تتجاوز السقف، والمطالبة بتعديل العقود المرتفعة، يمثلان رسالة واضحة بأن مرحلة الإنفاق غير المحسوب يجب أن تنتهي، وأن بناء فريق قوي لا يتعارض مع بناء نادٍ مستقر ماليًا.
فالهدف ليس أن تتراجع الأندية عن المنافسة، وإنما أن تنافس بإمكاناتها الحقيقية، وأن تتخلص من العقود الباهظة والالتزامات المتراكمة، حتى تستعيد مكانتها المالية وتصبح أكثر قدرة على الاستمرار والمنافسة في المواسم المقبلة.





