الرياضة من ميثاق السلام إلى سيرك “التريند” هل فقدت القوة الناعمة بوصلتها الإنسانية؟

لم تُخلق الرياضة لتكون مجرد شاشات تُعرض عليها الإعلانات التجارية، ولا ساحات للمراهنات المشفّرة، ولا بضاعة سريعة الاستهلاك يُقاس نجاحها بـ “التريند”، بل وُلدت الحركة الأولمبية من رحم فلسفة عميقة نادت بالرياضة كوسيلة لبناء الإنسان، ونشر السلام، وصناعة مجتمعات متماسكة، وتفعيل أسمى صور “الدبلوماسية الناعمة” التي تقرّب الشعوب حين تفشل السياسة.
غير أن النظر إلى واقع الرياضة اليوم بعيون مجردة يكشف عن مفارقة صارخة، حيث تحولت هذه القوة الناعمة من أداة لتقارب الشعوب وتبادل الثقافات إلى أداة لاستعراض النفوذ وتجميل الصور بدلاً من بناء جسور التفاهم الحقيقي.
وفي هذا السياق، تراجعت نبرة تعزيز الروح الرياضية وتكافؤ الفرص لصالح الاستقطاب الرقمي، لتتحول الملاعب التي كانت تُجسّد احترام المنافس إلى بيئة تغذيها خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي التي تقتات على التعصب والصراعات الوهمية لزيادة المشاهدات، بينما يغيب اللاعب كإنسان يسعى للرفاه والتميز ليحل محله كأصل مالي تُستغل بياناته وتستنزف صحته البدنية والنفسية وسط جداول مجهدة تهدف لتحقيق العوائد المباشرة.
إن تشخيص هذه الأزمة عبر المنظومة السباعية لإدارة الأثر (SGF 5.0) يكشف أن الرياضة لم تفقد أهدافها السامية بالصدفة، بل لأنها تُدار بنماذج حوكمة تقليدية قاصرة تركز على النمو المالي القصير الأجل وتتجاهل الأثر الاجتماعي والإنساني. وتصحيح هذا المسار لا يعني معاداة الاستثمار أو رفض التطور التكنولوجي، بل يتطلب إعادة هيكلة شاملة تنطلق من أنسنة الاستثمار الرياضي وربط رأس المال بمؤشرات قياس الأثر والقيمة (V-KPIs)، بحيث لا يُقاس نجاح النادي أو البطولة بحجم الإيرادات فحسب، بل بمدى المساهمة في الرفاه النفسي والبدني للاعبين والتنمية المجتمعية المستدامة.
كما يمتد هذا التحول إلى حوكمة الدبلوماسية الناعمة لتتحول المبادرات الرياضية الدولية من مجرد تحسين للصورة الذهنية إلى مشروعات تنموية عابرة للحدود تمكّن المجتمعات وتدعم قيم السلام الفعلي، بالتوازي مع وضع أطر صارمة لحوكمة الإعلام الرقمي لحماية الأجيال القادمة من خطابات الكراهية.
إن الرياضه تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، فإما أن تستمر كصناعة ترفيهية استهلاكية تفقد روحها يوماً بعد يوم، أو أن تستعيد عرشها كأقوى أداة عرفتها البشرية لبناء الإنسان ونشر السلام، وهو خيار لن يتحقق بالأمنيات بل بجرأة القيادات في تبني حوكمة مستدامة وعادلة تجعل الإنسان دائماً في قلب القرار.
د .ليندا توفيق





