اللاعب ليس مجرد رقم في كشف المباراة

فيصل أبو عبدالله
في المجال الرياضي، قد يبدو القرار صحيحًا على الورق، ومدعومًا باللوائح والجداول والاعتبارات الفنية. لكن ما إن يصل اللاعب إلى أرض الملعب، حتى تتبدل الصورة، ويظهر أن ما بدا منطقيًا في الاجتماع قد يكون بعيدًا عن واقع اللاعب اليومي، وعن تفاصيل حياته التي لا تُكتب في محاضر الاجتماعات.
حادثة انسحاب فريق السلام في مباراة الشباب الممتاز لكرة اليد أعادت هذا السؤال إلى الواجهة. فالمباراة لم تُستكمل، وربما كانت للحادثة ظروفها الخاصة، لكن أهميتها تتجاوز نتيجتها؛ لأنها تفتح بابًا لسؤال أكبر: هل ترى منظومة كرة اليد اللاعب بكل أبعاده، أم تراه فقط في لحظة دخوله الملعب؟
فاللاعب الناشئ ليس مجرد اسم في كشف المباراة. إنه طالب يوازن بين دروسه واختباراته، وقد يكون لاعبًا في منتخب يُستدعى لمعسكراته ومشاركاته، وفي الوقت نفسه جزءًا من فريق يعتمد عليه ناديه في منافساته. وبين هذه الأدوار المتشابكة، تتقاطع روزنامة المسابقات مع برامج المنتخبات، فتتشكل أمام اللاعب شبكة معقدة من الالتزامات التي لا يمكن اختزالها في خانة واحدة.
قد يجد لاعب في فئة الشباب نفسه موزعًا بين اختبار جامعي، واستدعاء للمنتخب الأول، ومباراة حاسمة لناديه. وقد يغيب آخر عن مقاعد الدراسة لأسبوع كامل بسبب معسكر لمنتخبه أو لفئته السنية. ثم تأتي القرارات التنظيمية، مثل تنظيم مشاركة لاعبي الناشئين مع فرق الشباب، لتضيف طبقة جديدة من التحديات عندما تتزامن الإصابات والاستدعاءات والالتزامات الدراسية في وقت واحد.
ورغم أن لكل قرار هدفًا فنيًا أو تنظيميًا مشروعًا، فإن جودة القرار لا تُقاس بسلامة غايته فقط، بل بقدرته على توقع أثره عندما تتقاطع القرارات المتعددة على أرض الواقع. وهنا يصبح السؤال الأهم: هل كانت تفاصيل الميدان حاضرة في لحظة اتخاذ القرار؟
فالمدرب والمشرف الفني وإداري الفريق لا يقدمون مجرد رأي؛ إنهم يحملون معرفة يومية بتفاصيل لا تظهر في الجداول: الحصص التدريبية، والسفر، والإصابات، والدراسة، والاستدعاءات، وقدرة اللاعب والنادي على تحمل القرار. وصلاحية اتخاذ القرار الإداري لا تعني بالضرورة الإحاطة بجميع تفاصيله الفنية، ولا تعني بالضرورة فهم ما يحدث عندما يلتقي القرار بالواقع.
لذلك، ربما تحتاج المنظومة إلى ما هو أبعد من الاجتماعات: اختبار أثر القرار قبل اعتماده، وقياس نتائجه بعد تطبيقه، ومراجعته إذا كشف الميدان آثارًا لم تكن محسوبة.
فالقرار الرياضي الناضج هو الذي ينجح في خدمة المنافسة دون أن يضع الدراسة أو تطور اللاعب أو استقرار النادي في الجهة الأخرى من المعادلة. فالرياضة لا تُقاس بالفوز وحده، بل بقدرتها على صناعة لاعب قادر على الاستمرار والتطور، وتحقيق التوازن بين حياته داخل الملعب وخارجه.
فاللاعب الذي نريد أن نصنع منه مستقبل كرة اليد، لا يجوز أن نراه من زاوية واحدة؛ لأن مستقبله أكبر من الملعب، وأعمق من مجرد مباراة، وأثمن من أن يُختزل في جدول أو لائحة.





