كتّاب الرأي

روزنامة كرة اليد… هندسة الزمن الرياضي

بروفسور عبد العزيز المصطفى

في كرة اليد السعودية، لم يعد الموسم مجرد جدول مباريات يمتد من أول صافرة حتى آخر نهائي. هذا العام، قرر الاتحاد أن يكتب فصلًا مختلفًا في طريقة إدارة اللعبة، فصلًا يبدأ من إيقاف الدوري لا من تشغيله. قراران، فترتان، أربع وقفات، أسبوع دولي، ومعسكرات متقطعة تمتد من أكتوبر حتى أبريل 2027 كل ذلك ليس عبثًا في الروزنامة، بل محاولة لإعادة هندسة الزمن الرياضي بطريقة لم تعتدها اللعبة من قبل.

فأسبوع الاتحاد الدولي لم يعد مجرد “استراحة”، بل نافذة تُفتح للمنتخبات كي تتنفس، تتدرّب، وتختبر نفسها في مباريات ودية وأنشطة تدريبية وتطويرية. أما الوقفات الأربع المبرمجة مسبقًا، فهي ليست فراغًا في جدول الدوري، بل مساحة تُعاد فيها صياغة مستقبل المنتخبات السنية: الناشئين، الشباب، الأشبال، وحتى المنتخب الأول. فجأة، أصبح اللاعب الشاب يجد نفسه في بيئة تدريبية منظمة، لا تجمعات عابرة قبل البطولات، ولا اعتماد على مواهب تظهر بالصدفة. وهذا كله بموافقة الأغلبية على هذه البرمجة المسبقة.

لكن كل تغيير أو تجديد يحمل وجهين. فالتوقف، مهما كان مخططًا، يقطع إيقاع الدوري ويهزّ جاهزية الأندية. بعض الفرق تعيش على إيقاع المباريات، وأي توقف—  لو كان أسبوعًا—قد يترك أثرًا واضحًا في الجولة التالية. وقد رأينا ذلك في دوريات عالمية؛ ففي الدوري الإسباني 2022 عاد برشلونة بعد توقف أسبوع الفيفا بمستوى باهت قبل أن يستعيد رتمه تدريجيًا، وفي الدوري الفرنسي 2021 اشتكى باريس سان جيرمان من أن الجولة التي تلي التوقف تحتاج مباراة كاملة لاستعادة الإيقاع، أما في الدوري الألماني 2023 فتُسمّى الجولة الأولى بعد التوقف بـ “جولة الصدمات” لكثرة النتائج غير المتوقعة. هذه الأمثلة تؤكد أن التوقف—القصير—قد يترك أثرًا مباشرًا على أداء الفرق.

ومع ذلك، فإن التوقف ليس خصمًا للدوري إذا أُحسن استخدامه. حين يتحول الأسبوع إلى جزء من دورة تدريبية متكاملة، يصبح فرصة ذهبية لرفع الحمل البدني، تطوير المهارات الفردية، وبناء الانسجام الجماعي. هذا ما تفعله مدارس أوروبا الشرقية، وهذا ما تبني عليه فرنسا والدنمارك: التوقف ليس انقطاعًا، بل جزء من التخطيط الدوري (Periodization)، منحنى يرتفع وينخفض ليصنع لاعبًا أقوى، لا لاعبًا مرهقًا.

وهنا يظهر السؤال الذي يحدد نجاح التجربة: كيف نجعل التوقف يخدم المنتخبات دون أن يضر الدوري؟ الإجابة ليست في إلغاء التوقف، بل في تثبيته. حين يعرف المدربون أن هناك أسبوعًا محددًا كل ستة أو ثمانية أسابيع، يمكنهم ضبط أحمالهم التدريبية، ويمكن للأندية استثمار التوقف في إعادة تأهيل المصابين أو رفع جاهزية لاعبيها. يصبح التوقف جزءًا من الموسم، لا طارئًا عليه.

التجارب الأوروبية تقول إن اللاعب يعود من التوقف أفضل مما كان: أقوى بدنيًا، أعلى مهاريًا، وأكثر انسجامًا. عندها يستفيد المنتخب، ويستفيد الدوري، وتستفيد اللعبة في الاتجاهين معًا.

في النهاية، ليست التوقفات عبئًا على الموسم، بل أداة تطويرية حين تُدار برؤية واضحة. اللعبة تحتاج إلى المنتخبات، والمنتخبات تحتاج إلى الدوري، وأي قرار يفصل بينهما دون توازن سيترك أثرًا لا يمكن تجاهله. أما حين تُدمج التوقفات في روزنامة ثابتة، معلنة، ومبنية على فلسفة تدريبية حديثة، فإن كرة اليد السعودية لا تعيد ترتيب جدولها فقط… بل تعيد ترتيب مستقبلها.

 

إصدار للمؤلف

التطور النفسي الحركي والمعرفي في مرحلة الطفولة

التطور النفسي الحركي والمعرفي في مرحلة الطفولة

بروفيسور عبد العزيز بن عبد الكريم المصطفى
متوفر لدى مرصد الخبراء — 40 ريالاً

اشترِ الكتاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com