كتّاب الرأي

حينما يفقد العقل اتزانه

حينما يفقد العقل اتزانه، ويصبح المبدأ أسيرًا للمادة والحسابات، فلا تعود الصدمات مفاجئة، ولا تصبح المفارقات عصية على الفهم. وفي الرياضة تحديدًا، حين تتراجع الكفاءة أمام الرغبات، يصبح السؤال مشروعًا: أين مصلحة اللعبة؟ وأين احترام أصحاب التاريخ والإنجاز؟
المثال الأبرز هنا هو فاليرو ريفيرا، أسطورة التدريب في كرة اليد، وصاحب الأمجاد الكتالونية والعنابية، والمدرب الذي ترك بصمة لا تخطئها العين في تاريخ اللعبة، سواء مع برشلونة أو المنتخب القطري. اسم بحجم فاليرو لا يحتاج إلى شهادة من أحد، ولا يمكن اختزال مسيرته الطويلة في منصب أو مسمى وظيفي.
قد يكون الرجل بلا وظيفة في مرحلة من مراحل مسيرته، وهذا أمر طبيعي في عالم التدريب؛ فحتى أكبر المدربين يمرون بفترات ابتعاد عن مقاعد الإدارة الفنية. لكن أن يُزج باسم فاليرو في دور إداري داخل نادي قطر القطري، لمجرد أنه متاح أو لإرضاء رغبة هنا أو حساب هناك، فهنا تصبح المسألة مختلفة تمامًا.
فاليرو قد يكون بلا وظيفة، لكنه بالتأكيد ليس بلا قيمة، مستحيل.
أن يتحول مدرب عالمي بهذا التاريخ إلى كادر إداري، بينما كان الأولى أن تُستثمر خبرته الفنية وعقليته التدريبية في مشروع واضح، أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام. والأكثر غرابة أن يقال إن هذا التوجه جاء نزولًا عند رغبة ماركيز لوبيز، وكأن تاريخ فاليرو وخبرته يمكن أن يوضعا جانبًا أمام رغبة شخص أو حسابات مرحلة.
لا أحد يقلل من قيمة العمل الإداري، ولا يعني تولي هذا الدور انتقاصًا من صاحبه، لكن القضية في وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وعندما يكون لديك رجل بحجم فاليرو، فإن الاستفادة منه يجب أن تكون بقدر خبرته، لا أن يتحول إلى مجرد اسم داخل الهيكل الإداري.
كرة اليد لا تُبنى بالمجاملات، ولا تُدار بمنطق إرضاء الأشخاص؛ اللعبة تحتاج إلى العقول والخبرات، وتحتاج إلى احترام من صنعوا الإنجازات، خصوصًا عندما يكون الحديث عن مدرب ترك بصمته في أعلى مستويات اللعبة.
قد يختلف البعض مع فاليرو، وقد تنتهي علاقة عمل وتبدأ أخرى، وهذا طبيعي. لكن غير الطبيعي أن يصبح القرار الشخصي أقوى من القيمة الفنية، وأن تتحول الخبرة إلى تفصيل ثانوي أمام الحسابات.
الاستهانة ليست في أن يكون فاليرو إداريًا، وإنما في أن تكون هذه هي أقصى استفادة يمكن أن يقدمها رجل بهذا الحجم لكرة اليد.
وحين يصبح المبدأ محكومًا بالمادة، والعقل أسيرًا للرغبات، فلا تستغرب أن ترى أسطورة تدريبية على الهامش، بينما تُمنح المساحة لمن يملك القدرة على التأثير في القرار.
فاليرو قد ينتظر وظيفة جديدة غدًا، وقد يعود إلى مقعد التدريب في أكبر البطولات، لكن التاريخ لا ينتظر قرارًا إداريًا كي ينصفه.
فاليرو بلا وظيفة؟ ممكن، فاليرو بلا قيمة؟ مستحيل.
أما الزج به في دور لا يتناسب مع قامته لمجرد إرضاء رغبة أو حسابات معينة، فذلك هو الاستهبال بعينه. فمن الذي فقد اتزانه: قطر القطري أم الإسباني فاليرو ريفيرا؟ أحدهما وقع في خطأ فادح.
كتب – جاسم الفردان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com