كتّاب الرأي

المنظومة الرياضية أمام سؤال جوهري: هل تُنتج لاعبين… أم تُنتج سوقًا للاعبين؟

بين الصنيع والمستورد: فلسفة الاستثمار في صناعة المواهب الرياضية

في الوقت الذي تتحرك فيه سوق انتقالات اللاعبين بسرعة لافتة، تبقى صناعة الأسماء الجديدة عملية بطيئة تتطلب سنوات من الصبر والعمل المتواصل. قد تعكس كثرة الانتقالات نشاط السوق وحيويته، لكنها لا تعني بالضرورة أن المنظومة قادرة على إنتاج المواهب؛ فاللاعب الذي يصل اليوم إلى الفريق الأول هو ثمرة رحلة طويلة بدأت بموهبة صغيرة، ومدرب آمن بها، ونادٍ احتضنها، وسنوات من التدريب والاستثمار الشاق.
في المقابل، يمنح استقطاب اللاعب الجاهز النادي نتيجة فورية، ويختصر عليه سنوات طويلة من التطوير. وهنا يبرز السؤال الجوهري: أي الخيارين تكافئه المنظومة الرياضية؟
عندما يتحمل نادٍ معين تكلفة تطوير اللاعب وتدريبه، بينما يستطيع نادٍ آخر الحصول عليه جاهزاً دون أن يشارك في مراحل بنائه، فإن الحافز على الاستثمار في الفئات السنية يبدأ بالتراجع تدريجياً لصالح خيار الاستقطاب السهل. المشكلة هنا ليست في حق اللاعب بالانتقال — وهو حق مشروع وضرورة في مسيرته — بل في أن يصبح الاستقطاب من الخارج أكثر جدوى اقتصادياً ورياضياً من الصناعة المحلية.
من هذا المنطلق، تصبح اللوائح التنفيذية جزءاً أساسياً من معادلة التطوير، وليست مجرد أدوات لتنظيم المنافسات. وتعد القرارات الأخيرة لبعض الاتحادات، كقرار الاتحاد السعودي لكرة اليد بتقنين عدد اللاعبين فوق سن الثلاثين في الفريق الأول، خطوة شجاعة تمنح العناصر الشابة مساحة أكبر للظهور. كما أن إقرار “بدل التدريب” يُعد اعترافاً بأن اللاعب المنتقل يحمل معه قيمة صنعتها سنوات من الجهد داخل ناديه الأصلي.
لكن هذا الاعتراف يظل ناقصاً إذا لم يجد اللاعب الشاب طويقاً واضحاً ومستداماً نحو الفريق الأول. فالنادي الذي طوّر الموهبة لا ينبغي أن يغادر المعادلة بلا مقابل يتناسب مع حجم استثماره. فعندما تُكافئ المنظومة النادي الذي يصنع اللاعب، يتحول الاستثمار في الفئات السنية من مجرد التزام تنظيمي إلى قرار رياضي واقتصادي استراتيجي.
إن الأثر الحقيقي لهذه المعادلة يتجاوز حدود النادي الواحد؛ فكل لاعب جديد يُصنع يعني قاعدة أوسع للممارسة، ومنافسة أقوى، وخيارات أكثر ثراءً للمنتخبات الوطنية. في النهاية، تكتفي السوق بإعادة توزيع اللاعبين الموجودين بالفعل، أما المنظومة الناجحة فهي التي تضمن ظهور مواهب جديدة باستمرار. والفارق الدقيق بين منظومة تستهلك القيمة وأخرى تصنعها، يكمن دائماً في حجم الحافز الذي تُقدمه للنادي الذي اختار الطريق الأصعب: صناعة اللاعب.
فيصل أبو عبدالله 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com