كتّاب الرأي

امتيازات الصوت الذهبي في الانتخابات تُخلّ بتوازن الحوكمة

تُعدّ الانتخابات في الأندية الرياضية لحظة مفصلية يلتقي فيها تاريخ النادي مع مستقبله. غير أن السنوات الأخيرة شهدت جدلًا واسعًا حول ما يُعرف بـ الصوت الذهبي؛ ذلك الامتياز الانتخابي الذي يمنح بعض الداعمين وزنًا تصويتيًا يفوق ما يمتلكه بقية الأعضاء، في مشهد يراه كثيرون تكريسًا لطبقة فوقية داخل النادي.

الجماهير تنظر إلى هذا الامتياز بوصفه إجراءً يمسّ مبدأ تكافؤ الأصوات، ويقوّض الثقة في العملية الانتخابية. فعندما يدرك العضو أن صوته لا يعادل صوت غيره، يبرز سؤال جوهري: من يقرر مستقبل النادي؟ الأعضاء أم أصحاب الامتياز؟ هذا القلق ليس نظريًا؛ فقد أدّى الصوت الذهبي في بعض الحالات إلى وصول إدارات لا تحظى بقبول جماهيري، ما انعكس على استقرار الأندية ومسار إنجازاتها. وعندما تُصنع النتائج بوزن انتخابي غير متكافئ، تتولد قرارات لا تمثّل القاعدة الحقيقية للنادي، ويتحوّل النقاش من اللوائح إلى طبيعة السلطة نفسها: هل تُبنى على المشاركة المتساوية أم على امتيازات خاصة؟

ومع تصاعد الوعي الرياضي وتوجه الأندية نحو الاحتراف والشفافية، أصبحت هذه القضية أكثر حساسية إعلاميًا وجماهيريًا. فالجمهور اليوم طرف أساسي في صناعة القرار، وصوته امتداد لانتمائه للنادي، وأي نظام يضعفه يُنظر إليه كتهديد مباشر لشرعية القرار الرياضي.

من هذا المنطلق، تُطرح حلول وسطية تنظّم الصوت الذهبي دون إلغائه. من بينها تقليص وزنه الانتخابي ليصبح تأثيره محدودًا لا يتجاوز خمسة أصوات، أو تحويله إلى صوت استشاري يُسجَّل دون أن يدخل في النتيجة النهائية. كما يُقترح ربط منحه بشروط واضحة، مثل المساهمة المالية أو الدور الإداري، على أن تكون المساهمة التزامًا طويل الأمد لا يقل عن عشر سنوات. ويُطرح أيضًا توسيع دائرة الأصوات الذهبية لتشمل عدة أعضاء بدل عضو واحد، إضافة إلى وضع حد أعلى لعدد العضويات الذهبية التي يمكن أن يمتلكها الشخص الواحد، منعًا لاحتكار النفوذ.

في المقابل، يرى كثيرون أن أي صوت غير متساوٍ – مهما كانت ضوابطه – يظل خارج إطار الحوكمة العادلة. فالمساواة في التصويت ليست بندًا تنظيميًا فحسب، بل هي أساس المشاركة الجماعية وروح العمل المؤسسي. وأي إخلال بها يفتح الباب أمام تركّز السلطة وإضعاف المشاركة، ويخلق شعورًا بأن النادي يُدار بمنطق الامتياز لا بمنطق الشراكة. وتجارب دولية في بريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة أثبتت أن أنظمة التصويت غير المتساوي قد تُحدث انقسامات داخلية وتؤثر على استقرار الأندية، حتى عندما تُدار بنوايا حسنة.

اليوم تقف الأندية أمام مفترق طرق: هل تختار الاستقرار عبر امتيازات تصويتية، أم تختار المساواة التي تمنح القرار شرعيته؟ الحل لا يحتاج إلى صوت ذهبي، بل إلى نظام انتخابي عادل، وحوكمة قوية، ومعايير واضحة للترشح، ورقابة مستقلة تضمن سلامة القرار. بهذه الأدوات يمكن الجمع بين الاستقرار والمساواة دون خلق طبقية انتخابية أو فتح الباب أمام احتكار القرار.

وفي النهاية، يبقى المال عنصرًا مهمًا في دعم الأندية، لكنه لا يمنح صاحبه حقًا إضافيًا فوق بقية الأعضاء. فالدعم يُقدَّر، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز انتخابي يلغي أصوات الآخرين. أما حالات سوء الإدارة التي يستغل فيها بعض الأعضاء الصوت الذهبي ثم يستردون ما دفعوه من ميزانية النادي، فهي لا تُعالج بمنح امتيازات أكبر، بل عبر حوكمة صارمة تمنع التلاعب وتضمن أن القرار يُصنع جماعيًا وبشفافية كاملة.

بروفسور عبد العزيز المصطفى

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. مقال جدا مهم ورائع كعادتك أستاذنا البروفيسور أبو ماحد ووضعت النقاط المهمة على الحروف وهذا ما تعاني منه أنديتنا اليوم من اختزال الأصوات أو الأعضاء الذهبيين أصحاب المال وهم من بتحكم في زمام الأمور من رئاسة وأعضاء في الأندية حتى لو كانوا من خارج المنطومة والخبرة الإدارية الرياضية ..

    1. شكرا اخي احمد، الصوت الذهبي تحوّل إلى قضية أخلاقية داخل الأندية؛ لأنه يمنح نفوذًا لا يستند إلى خبرة أو دور فعلي، بل يفتح مسارًا مختصرًا للتأثير على القرار دون المرور عبر العمل المؤسسي أو الخبرة الميدانية. وفي الواقع، هذا النوع من النفوذ المالي يخلق خللًا واضحًا في ميزان القرار ويهمّش أهل الخبرة، مما يقود إلى إدارة غير متوازنة وقرارات لا تعكس احتياجات النادي الفعلية ولا تخدم المصلحة الرياضية.

  2. أهلين البروفسور عبدالعزيز
    وجمعة مباركة.

    في السابق كانت تشترى الأصوات لتضمن نجاح قائمة على الأخرى.

    والان الصوت الذهبي حل محل تلك الإشكالية.

    لا جديد.

    الحل المناسب كما أراه. هو محاولة دمج القوائم في قائمة واحدة.
    ليرضى عنها الجميع.

    بدل من أن يكون هم القائمة الخسرانة هو محاولة الإطاحة بالقائمة الفائزة.
    والضحية هو النادي.

    وهذا يحدث (وحدث) في كلتا الحالتين.

    1. عزيزي أخ علوي، ممنون كثيرًا على تعقيبك.

      دمج القوائم خطوة إيجابية تخفّف الاحتقان وتوجّه الجهود نحو خدمة النادي، لكنه ليس الحل الوحيد، ولا يمكن أن ينجح إذا استمرت بعض الممارسات القديمة، خصوصًا مسألة الدفع ثم التعويض من ميزانية النادي. هذه النقطة ترتبط بـ تضارب المصالح وغياب الشفافية المالية أكثر من ارتباطها بأي نظام انتخابي مثل الصوت الذهبي، وعلى الحوكمة أن تبادر بإجراء مناسب أو أن تُدار الأندية عبر كوادر مهنية متخصصة.

      القائمة الموحدة قد تكون خطوة ممتازة إذا بُنيت على الثقة والوضوح، لكن وجود شخص يدفع مبالغ ثم يسترجعها لاحقًا من ميزانية النادي يخلق دائرة غير صحية: تمويل نفوذ انتخابي، ثم تعويض ذاتي، ثم استمرار في موقع القرار. وهذا لا يعالجه دمج القوائم ولا الصوت الذهبي، بل يعالجه نظام مالي واضح ورقابة تمنع أي تعويضات غير نظامية.

      الحل الحقيقي يقوم على ثلاث ركائز:

      •⁠ ⁠شفافية مالية تضمن أن ميزانية النادي تُصرف على النادي فقط.
      •⁠ ⁠حوكمة انتخابية تقلل النفوذ الشخصي وتمنع شراء الأصوات.
      •⁠ ⁠اتفاق إداري يضع رؤية مشتركة تمنع الصراع بعد الانتخابات.

      وبدون هذه الأسس، سيبقى النادي هو الضحية مهما تغيّر النظام الانتخابي أو شكل القوائم، وطالما أن هناك أعضاء يعملون في الخفاء على ترسيخ هذه الثقافة الانتخابية، ستظل المشكلة قائمة مهما تغيّرت الأدوات أو الأنظمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com