من اللعب إلى التفكير… كيف نبني القدرات الذهنية للاعب كرة اليد الصغير؟

قد يدخل الطفل الملعب بدافع الفضول، ويعود إليه بدافع الشغف، لكنه قد يفقد رغبته في العودة إذا تحوّل اللعب إلى سلسلة من الأوامر والضغوط. وهنا تبرز مسؤولية مدرب الفئات السنية؛ فهو لا يعلّم المهارات فحسب، بل يشكّل علاقة الطفل بالرياضة، ويضع اللبنات الأولى لمسيرته.
فتدريب البراعم ليس برنامجًا موحدًا، فلكل طفل قدراته وإيقاعه ونضجه. والمدرب الناجح من يمنح المبتدئ ثقة، ويقدم للمتقدم تحديات، ويوازن بين من يحتاج تشجيعًا ومن يحتاج دفعًا داخل التمرين الواحد.
ومن هنا تبرز أهمية اللعب الذكي، الذي يتجاوز الترفيه إلى بناء التفكير وقراءة المواقف واتخاذ القرار. فإتقان التمرير والتصويب بالتكرار لا يكفي؛ يحتاج اللاعب الصغير إلى إدراك المساحات، وملاحظة تحركات الزملاء والمنافسين، ومعرفة متى يمرر ولمن، ومتى يصوّب.
ولتحقيق ذلك يحوّل المدرب التمارين إلى ألعاب مصغرة ومواقف تنافسية. تخيّل ثلاثة ضد اثنين في مساحة محدودة؛ لا يقدم المدرب حلولًا جاهزة، بل يترك اللاعبين يكتشفون الخيارات. فيلاحظ المهاجم تقدم المدافع فيمرر للحر، ويتعلم آخر أن التسرع في التصويب قد يضيّع فرصة أفضل. وحين تتغير المساحة أو الأعداد تتغير المعطيات، فيبحث الصغار عن حلول جديدة بأنفسهم، وينتقلون من انتظار التعليمات إلى صناعة القرار.
وفي هذه البيئة لا يكون الخطأ سببًا للخوف، بل بداية للفهم؛ فالطفل الذي يجرّب ويخطئ ثم يفهم سبب خطئه ويعيد المحاولة يكتسب الثقة والاستقلالية. وتظهر براعة المدرب في معرفة متى يوجّه ومتى يترك مساحة للاكتشاف، وهذا يفرض عليه تطوير أدواته؛ فطرح سؤال («أين كان زميلك الحر؟») قد ينفع أكثر من تقديم الحل جاهزًا.
غير أن بناء هذه القدرات يحتاج رؤية طويلة المدى وأهدافًا مرحلية توازن بين الانضباط والمتعة، فلا يُستعجل صناعة بطل تحكمه النتائج الآنية. ولضمان ذلك يقيس المدرب تطور التفكير بمؤشرات بسيطة: هل يرى اللاعب خيارات أكثر؟ هل قراره أسرع وأصح؟ ولا تكتمل الرؤية دون إشراك الأهل، بتوضيح أن تطور التفكير والثقة والاستمرارية أهم من نتيجة مباراة.
إن صناعة أبطال الغد لا تُقاس بعدد التمارين، بل بما يكتسبه الطفل من فهم وثقة وقدرة على التفكير. فالمدرب المتميز لا يعلّم لاعبه كيف ينفذ فقط، بل يساعده على أن يفهم متى يتصرف، وكيف يختار، ولماذا يتخذ القرار. هناك يبدأ الفارق بين لاعب يتقن المهارة، ولاعب يفهم اللعبة.
فيصل أبو عبدالله





