كتّاب الرأي

ديكتاتورية الترند”.. هل أصبحت السوشيال ميديا تُدير الملعب من الخارج؟

في لحظة ما، لم تعد الرياضة العربية تُدار فقط داخل الملعب، بل أصبحت تمتد إلى مساحة أخرى أكثر ضجيجاً وتأثيراً الفضاء الرقمي.

 هناك، حيث لا تُنتظر صافرة النهاية، ولا يُمنح الزمن فرصته الكاملة لاختبار المشاريع، بل تُصنع الأحكام بسرعة تفوق إيقاع اللعبة نفسها، ويُعاد تشكيل الرأي العام في لحظات قصيرة قد لا تعكس عمق الصورة الكاملة.

لم يعد المشهد الرياضي ينتظر اكتمال السياق الفني أو الإداري، فهزيمة واحدة في مباراة محلية أو قارية قد تتحول خلال ساعات إلى أزمة شاملة، تتصدر فيها مطالب التغيير والإقالات واجهة النقاش، مدفوعة بزخم رقمي يتغذى على المقاطع القصيرة والتفاعل اللحظي.

في المقابل، قد يدفع فوز واحد إلى تضخيم الصورة إلى حد يوقف أي قراءة واقعية لمسار الفريق أو مشروعه الفني، وكأن النتائج لم تعد تُقاس داخل الملعب، بل داخل “الترند”.

بين هذين الحدّين، يجد المدرب واللاعب نفسيهما في مساحة شديدة الهشاشة، حيث لم يعد التقييم مرتبطاً بالمنظومة أو بخطة العمل طويلة المدى، بل بردود الفعل السريعة التي تُنتجها منصات التواصل، وتصبح قرارات التغيير أحياناً انعكاساً مباشراً لضغط جماهيري رقمي، أكثر من كونها نتيجة مراجعة فنية هادئة، وهو ما يمكن ملاحظته في العديد من التحولات السريعة داخل بعض الأندية العربية عند أول اهتزاز في النتائج.

في هذا السياق، لم تعد المشكلة في وجود الجمهور أو في قوة صوته، بل في غياب التوازن بين هذا الصوت وبين منطق البناء الرياضي، فحين تتحول السوشيال ميديا إلى مرجع ضاغط على القرار، يصبح من الصعب الحفاظ على استقرار المشاريع الفنية أو منحها الزمن الكافي للنمو والتطور.

من هنا تبرز حوكمة الاستدامة الرياضية 5.0 كإطار ضروري لإعادة ضبط العلاقة بين الواقع الرياضي ومحيطه الرقمي، فهي لا تدعو إلى عزل الرياضة عن جمهورها، بل إلى بناء “مناعة مؤسسية” تحمي القرار الرياضي من الانفعال اللحظي، وتمنحه القدرة على التمييز بين النقد الحقيقي وضجيج الترند.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على كل من يدير الرياضة أو يتابعها أو يصنع رأيها العام: هل ما زالت الرياضة تُدار بمنطق المشروع والتخطيط، أم أنها أصبحت رهينة “ديكتاتورية الترند” ورد الفعل السريع؟

د ليندا توفيق

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com