رئيس اتحاد كرة اليد يطلق مشروع الهيكلة الشاملة لتطوير منظومة اللعبة

تعقيبًا على الطرح الذي قدّمه رئيس التحرير محمد الضامن حول هيكلة كرة اليد بما تحمله من تغييرات جذرية في الدمج والتقنين وصناعة جيل الذهب، وبعد دراسة معمّقة، يبرز أن المشهد الرياضي يقف اليوم أمام لحظة فارقة تستحق التأمل.
نرفع التهنئة ليد الخليج على الفوز بدوري الممتاز، والكأس وبعد كل هذه التجارب المتراكمة، بات من المتوقع أن يمتلك الخليج مدرسة تكتيكية واضحة تُعمَّم وتُصقل، ليكون الفريق نموذجًا لفريق بطل لا يكتفي بالإنجاز، بل يصنع منهجًا يُحتذى به في كرة اليد السعودية.
أما إعادة هيكلة استراتيجية كرة اليد الجديدة للفترة 2026–2029، التي يقودها رئيس الاتحاد حسن نصر هلال، فتأتي ضمن مسار تطويري يستهدف رفع كفاءة منظومة اللعبة في المملكة وبناء قاعدة مستقبلية أكثر استدامة. ولذا فإن تقييم هذه الخطوات يتطلب تحليلًا فنيًا وإداريًا يركز على الأثر المتوقع، ومدى اتساق التوجهات الجديدة مع متطلبات التطوير الحديث لكرة اليد.
وفيما يتعلق بالهيكل المقترح لدوري الممتاز للكبار وتطوير اللاعب المحلي، فإن اعتماد نظام المرحلتين (دور واحد ثم مجموعتين) يعكس توجهًا لزيادة عدد المباريات ذات القيمة الفنية، وهو ما يتوافق مع ممارسات الاتحادات الاحترافية التي تربط تطور اللاعب بارتفاع الساعات التنافسية عالية المستوى. غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الأندية على إدارة الأحمال البدنية ضمن موسم أطول، وجودة التحضير الفني في ظل سقف محدود للمحترفين، إضافة إلى مدى جاهزية الفرق الأقل استقرارًا للتعامل مع مرحلتين مختلفتين من المنافسة.
أما فيما يتعلق باعتماد محترف أجنبي واحد، فإن هذا التوجه قد يحد من جودة البيئة التنافسية التي يتطور فيها اللاعب المحلي، على سبيل المثال الدوري الاوربي يعتمد عادةً ثلاثة إلى أربعة محترفين بهدف رفع مستوى اللعب، لا لإقصاء اللاعب المحلي. وهنا يبرز سؤال جوهري: ما الأساس الفني الذي بُني عليه قرار الاكتفاء بمحترف واحد فقط، وما مدى قدرته على خلق فارق حقيقي في مستوى المنافسة؟
أما دمج الدرجتين الأولى والثانية، فهو خطوة جريئة تفتح الباب أمام توسع كمي كبير، لكن يبقى التحدي في تحويل هذا التوسع إلى بناء نوعي. فالدمج المفتوح العدد قد يرفع من حجم المشاركة، لكنه في الوقت نفسه يضع الأندية أمام اختبار صعب يتعلق بجودة الإعداد، وتفاوت الإمكانات، ومدى قدرة المنظومة على استيعاب هذا العدد دون الإضرار بالمستوى الفني العام.
يحمل دمج الدرجتين الأولى والثانية مجموعة من الإيجابيات، أبرزها توسيع القاعدة الجغرافية للعبة، ومنح الفرصة لأندية جديدة للدخول في المنظومة التنافسية، إضافة إلى خلق مسار صعود وهبوط أكثر ديناميكية يعزز الحافز لدى الفرق ويزيد من حجم المشاركة. في المقابل، تبرز عدة تحديات يجب التعامل معها، أهمها التفاوت الكبير في المستويات بين الأندية، مما قد يؤثر في جودة المنافسة، إلى جانب صعوبة ضبط الجوانب التنظيمية المتعلقة بالتحكيم والملاعب والتنقل. كما أن فتح باب التسجيل طوال الموسم قد يؤدي إلى نشوء “سوق مفتوح” غير منضبط، يربك استقرار الفرق ويؤثر في عدالة المنافسة.
ومن منظور التخطيط الرياضي، فإن أي توسع كمي في عدد الأندية أو حجم المنافسة يجب أن يرافقه إطار معياري واضح يضمن الحد الأدنى من الجودة. ويشمل هذا الإطار وجود بنية تحتية مناسبة، وجهاز فني مؤهل، وبرامج فعّالة للفئات السنية، إضافة إلى التزام مالي يضمن استدامة العمل. فبدون هذه المعايير الأساسية، قد يتحول الدمج إلى عبء تنظيمي يضغط على المنظومة بدل أن يكون خطوة تطويرية تعزز جودة اللعبة.
أما بالنسبة للفئات السنية في دوري الشباب والناشئين، فهي تمثل الحجر الأساس لأي مشروع تطويري، ويمكن القول إن الاستراتيجية في هذا الجانب تبدو أكثر نضجًا. فهي تعتمد نظام المرحلتين لزيادة الاحتكاك، وتسمح بانتقال محدود للاعبين بين الفئات بما يضمن استمرارية التطور، كما تتيح مشاركة لاعبين من المواليد ضمن ضوابط واضحة تعزز التنوع وتوسّع قاعدة المواهب.
ومع ذلك، تبرز عدة تحديات يجب التعامل معها لضمان نجاح هذا المسار، أهمها قدرة الأندية على توفير مدربين متخصصين للفئات السنية، وضبط نظام الإعارة بحيث يخدم تطور اللاعب وليس احتياجات النادي فقط، إضافة إلى ضرورة أن تتم مشاركة لاعبي الشباب مع الفريق الأول ضمن خطة تطوير فردية واضحة، لا أن تكون مجرد حل طارئ لسد النقص.
أما إطلاق دوري ممتاز للأشبال بـ16 فريقًا، فهو خطوة استراتيجية حقيقية تستهدف الفئة العمرية الأكثر حساسية في تكوين الناشئ، وهي المرحلة التي تُبنى فيها المهارات الأساسية، والقدرات الحركية، والذكاء التنافسي، والهوية الفنية التي ترافق اللاعب طوال مسيرته. ومن هذا المنطلق، يبدو القرار أكثر من مجرد توسع تنافسي؛ فهو استثمار مباشر في الجيل الذي سيحمل مستقبل اللعبة. كما أن منع مشاركة لاعبين أكبر سنًا يُعد قرارًا صائبًا، لأنه يحمي اللاعبين الأشبال من الفوارق البدنية التي قد تؤثر على ثقتهم وتطورهم، ويضمن بيئة تنافسية عادلة تسمح لهم بالنمو والنضج الطبيعي دون ضغوط أو مقارنات غير عادلة.
وحول تقييم الاستراتيجية من منظور منظومة التطوير، فإن تحليل أي مشروع تطويري يتطلب النظر إلى مجموعة من المحاور الأساسية التي تشكّل جوهر العملية. أول هذه المحاور هو جودة المنافسة؛ فالدوري الممتاز مرشح لارتفاع مستوى التنافس، لكن جودة اللعب قد تتأثر بسبب محدودية عدد المحترفين، بينما قد تواجه الدرجات الأدنى تفاوتًا واضحًا في المستويات مما يؤثر على استقرار الأداء العام.
أما المحور الثاني فهو مسار اللاعب، حيث تقدم الاستراتيجية خطًا واضحًا لتدرج المواهب من مرحلة الأشبال مرورًا بالناشئين ثم الشباب وصولًا إلى الفريق الأول، وهو مسار منطقي يعزز البناء التدريجي، لكنه يحتاج إلى التزام فني من الأندية لضمان انتقال اللاعب بين المراحل وفق خطة تطوير فردية وليس بشكل عشوائي. كما أن نجاح هذا المسار يعتمد على مجموعة من العوامل الجوهرية، أبرزها جودة التدريب، وعدد الدقائق التنافسية التي يحصل عليها اللاعب، إضافة إلى الاستقرار الفني داخل الأندية. فهذه العناصر تشكّل الأساس الحقيقي لأي عملية تطوير تستهدف بناء لاعب قادر على المنافسة في المستويات المتقدمة.
أما على مستوى الحوكمة والتنظيم، فإن القرارات المتعلقة بفتح التسجيل طوال الموسم، ودمج الدرجات، وزيادة عدد البطولات، تحتاج إلى منظومة رقابية فاعلة، وإدارة مسابقات ذات كفاءة عالية، وتطوير مستمر لمنظومة التحكيم، حتى لا تتحول هذه القرارات إلى عبء تنظيمي يفوق قدرة المنظومة على الاستيعاب.
وفي جانب الاستثمار في الكوادر، لا يمكن لأي استراتيجية أن تحقق أهدافها دون وجود مدربين متخصصين للفئات السنية، وبرامج تأهيل للحكام، وتطوير إداري للأندية. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الجانب لم تُعلن تفاصيله بشكل كافٍ في الاستراتيجية، وهو ما يمثل فجوة يجب سدّها لضمان اكتمال الصورة.
وعند النظر إلى الاتجاه العام للاستراتيجية، يمكن القول إن المسار صحيح، والرؤية واضحة، والقرارات تحمل روح التطوير، لكن نجاحها يعتمد على قدرة المنظومة على تنفيذها وفق معايير دقيقة تضمن تحقيق الأثر المطلوب. كما أن نجاح الاستراتيجية يتوقف على مجموعة من العوامل الحاسمة التي تشكّل العمود الفقري لأي مشروع رياضي تطويري. أول هذه العوامل هو رفع جودة الدوري الممتاز، فزيادة عدد المحترفين — إن أمكن — ستخلق بيئة تنافسية أقوى، لأن اللاعب المحلي لن يتطور مهما كانت برامج الفئات السنية متقدمة إذا لم يجد أمامه منافسة عالية المستوى ترفع من سقف أدائه. العامل الثاني يتمثل في ضبط دمج الدرجات الأدنى بمعايير واضحة، فالتوسع الأفقي غير المنضبط قد يضعف المنظومة بدل أن يقويها، خصوصًا إذا لم تُحدد شروط دقيقة للبنية التحتية، والجهاز الفني، والالتزام المالي، وجودة العمل الإداري. أما العامل الثالث فهو الاستثمار الحقيقي في الفئات السنية. ولضمان انتقال المواهب الناشئة إلى لاعبين قادرين على قيادة اللعبة مستقبلًا، يجب توفير مدربين متخصصين، وبرامج تطوير فردية، وآليات متابعة مستمرة. فصناعة اللاعب مسؤولية فنية بالدرجة الأولى، وليست نتاجًا للأنظمة واللوائح.
وخلاصة القول، فإن الاستراتيجية الجديدة تمثل خطوة جادة نحو بناء كرة يد سعودية أكثر احترافية، لكنها تظل بحاجة إلى متابعة دقيقة، وتقييم سنوي، وتعديلات مستمرة تضمن بقاءها على المسار الصحيح. فالتطوير الحقيقي لا يتحقق بقرارات تنظيمية فقط، بل يقوم على منظومة متكاملة تتطلب تنسيقًا فعّالًا بين الاتحاد والأندية والمدربين واللاعبين، بحيث يعمل الجميع ضمن رؤية واحدة ومسار واضح يضمن استدامة التقدم وجودة المخرجات.
بروفسور عبد العزيز المصطفى






