كتّاب الرأي

الملحم يتساءل | من يحمي المحترف عند تعثر النادي مالياً؟

عندما نلجأ للحديث عن الاحتراف الرياضي، فإن أول صورة تتبادر إلى الذهان عادةً هي خبر انتقال لاعب من نادٍ لآخر، أو مراسم توقيع عقد مالي جديد. غير أن واقع الاحتراف أعمق وأشمل من ذلك بكثير؛ فهو منظومة متكاملة ركيزتها الأساسية هي الثقة، والالتزام، والقدرة الفعلية على تطبيق بنود العقود.

وهنا يبرز سؤال جوهري يستحق أن يُطرح اليوم: هل أصبحت حركة الاحتراف في عالم كرة اليد تسير بسرعة تتجاوز قدرة التشريعات الحاكمة لها على المواكبة؟

في الوقت الذي شهدنا فيه اتساعاً كبيراً في حركة انتقال اللاعبين والمدربين عبر مختلف القارات، وباتت الاتحادات القارية والدولية تعظم استفادتها من رسوم التسجيل والانتقال، لا تزال هناك حالات واقعية تكشف عن خلل وثغرة صريحة؛ ماذا يحدث عندما يبرم اللاعب عقداً احترافياً ثم يعجز النادي عن سداد مستحقاته المادية؟

 اللاعب المحترف حين يقدم على تجربة الاحتراف الخارجي، فهو لا يغادر بلده لمجرد خوض مغامرة رياضية، بل يؤسس خطوته بناءً على عقد قانوني يضمن له حقوقه المالية. وعندما يؤدي اللاعب ما عليه من واجبات داخل الصالة بكل انضباط، ثم يجد نفسه بعد مضي أشهر يركض خلف رواتبه المتأخرة، فإن علامات الاستفهام لا تتوقف عند حدود السؤال: “لماذا تقاعس النادي عن الدفع؟”، بل تمتد لتسأل: “هل كانت المنظومة التشريعية قادرة على وضع حد لهذه الأزمة وتفاديها منذ البداية؟”.

مما لا شك فيه أن النادي يظل هو المسؤول الأول والمباشر عن تنفيذ بنود الاتفاق، باعتباره الطرف الذي وقع وتعهد بالوفاء. لكن في مقابل ذلك، لا يمكن إعفاء الجهات المنظمة من مسؤولية سن قواعد صارمة تحظر على الأندية غير المقتدرة مالياً التورط في التزامات تتجاوز ملاءتها وسقف إمكاناتها.

فهل من المنطقي أن يُسمح لنادٍ بالتعاقد مع ثلاثة محترفين أجانب، دون وجود ضمانات ملموسة تؤكد قدرته على تغطية رواتبهم حتى نهاية الموسم؟ وهل يُقاس نجاح الاحتراف بعدد الأسماء الأجنبية في قائمة الفريق، أم بمدى احترام النادي للتعهدات التي يوثق عليها؟

إن الحل لا يكمن في تقييد حركة التعاقدات أو منع الأندية، بل في الانتقال نحو مرحلة أكثر نضجاً وتنظيماً، تعتمد على تطبيق نظام “الترخيص المالي” كشرط أساسي قبل إبرام أي عقد احترافي. نظام يُلزم النادي بتقديم إثباتات مالية وضمانات بانكية أو وثائق تأمين على العقود، حتى لا يظل اللاعب هو الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن سوء الإدارة والتخطيط المالي.

كما يجدر بنا التفكير جدياً في تخصيص اقتطاع معين من رسوم الانتقالات والتسجيل ، لتأسيس صندوق أو آلية حماية تضمن مستحقات اللاعبين والمدربين؛ فالجهة التي تشرف على حركة الاحتراف وتستفيد منها، تقع على عاتقها أيضاً مسؤولية حماية سلامة هذه الحركة واستقرارها.

إن كرة اليد العالمية لا تحتاج فقط إلى لوائح إدارية تُنظم عمليات القيد والانتقال، بل إلى تشريعات حماية تصون حقوق من يلتزم بعقده. فالاحتراف الحقيقي يت تجسيده في تطبيق البنود الموقعة، وليس في مجرد التقاط صور التوقيع.

ربما حان الوقت لكي يخطو الاتحاد الدولي لكرة اليد خطوة شجاعة، بالانتقال من مرحلة “إدارة الاحتراف” إلى مرحلة “حماية الاحتراف”؛ لأن استقرار مستقبل اللعبة لا يقف عند حد جودة المهارات فوق أرضية الملعب، بل يعتمد بالدرجة الأولى على شعور اللاعب والمدرب بالأمان والاطمئنان لحظة توقيع العقد بعيداً عن وطنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com