النور لا يخسر مباراة.. النور يخسر هويته

خرج السوبر السعودي لكرة اليد بين الخليج والنور بنتيجة في الملعب، لكنه بالنسبة لي خرج أيضاً بجرس إنذار مبكر لما يمكن أن يكون عليه الموسم.
مباراة تجمع اسمين كبيرين، وتاريخين ثقيلين، ونجوماً نعرف جيداً حجم إمكاناتهم، ومع ذلك كان المستوى الفني باهتاً في فترات طويلة، وغابت الإثارة والجودة التي يفترض أن تحملها مواجهة بهذا الحجم.
والسؤال الذي ظل يلاحقني طوال المباراة:
أين اللاعب الجديد؟
لم أشاهد لاعباً شاباً يقتحم المشهد ويقول لنا بأدائه: انتظروني، أنا أحد نجوم كرة اليد السعودية في السنوات المقبلة.
لم نشاهد تلك الموهبة التي تجبرك على السؤال عن اسمها وعمرها ومن أين جاءت. بل حتى عدد من الأسماء المعروفة لم يظهر بالصورة التي تتناسب مع إمكاناته، باستثناء بعض اللمحات الفردية هنا وهناك.
وهذا وحده مؤشر يستحق التوقف عنده، لأن الدوري القوي ليس مجموعة أسماء تتكرر كل موسم، بل مصنع مستمر للنجوم.
لكن كل ذلك بالنسبة لي لم يكن المشهد الأكثر إيلاماً.
المؤلم حقاً كان النور!
ليس لأن النور خسر، فكل أندية العالم تخسر، والبطل نفسه يخسر، والرياضة لا تعترف بانتصار دائم لأحد.
لكنني أتحدث عن شيء أكبر من النتيجة:
أتحدث عن روح النور التي لم أرها.
من عاش النور في سنواته الجميلة يعرف جيداً ماذا أعني.
كان النور فريقاً يرفض الهزيمة حتى وهو في أسوأ حالاته. يدخل المباراة وهو مؤمن بأن الانتصار حق يجب أن ينتزعه من منافسه، لا أمنية ينتظر تحققها.
بل إن النور في زمنه الجميل كان ينتصر أحياناً ولا يرضى!
يفوز، ثم يغادر لاعبوه وجماهيره وهم غاضبون لأن المستوى لم يكن مقنعاً، أو لأن فارق الأهداف لم يكن بحجم ما ينتظرونه من فريقهم.
تلك كانت شخصية النور.
فماذا حدث؟
كيف انتقل هذا الفريق من ثقافة لا تقبل حتى «الفوز الباهت» إلى حالة أصبح فيها تقبّل الهزيمة أمراً عادياً؟
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نادٍ كبير أن تتحول الهزيمة من حادثة تؤلمه إلى نتيجة يتعايش معها.
هنا لا تكون المشكلة في لاعب أو مدرب أو خطة دفاعية أو محترف أجنبي.
هنا تصبح المشكلة في الهوية.
من قتل روح النور؟
هذا السؤال يجب ألا يُفهم باعتباره بحثاً عن شخص نعلّق عليه المسؤولية، وإنما صرخة بحث عن تلك الشخصية التي صنعت تاريخ النادي.
من أطفأ في اللاعب ذلك الشعور بأن ارتداء شعار النور يعني أنك تدخل الملعب لتنتصر؟
من جعل الأعذار تسبق بعض المباريات؟
ومن سمح بأن تصبح الظروف والغيابات والاستعداد شماعة نفسية نهيئ بها أنفسنا لتقبّل الخسارة؟
هناك فارق كبير بين أن تحترم الهزيمة بعد المباراة وبين أن تتهيأ نفسياً لقبولها قبل المباراة.
الروح الرياضية لا تعني أن تكون الهزيمة بلا ألم.
صافح منافسك، هنئه، احترمه، اعترف بتفوقه… فهذا من أخلاق الرياضة.
لكن عد إلى غرفة الملابس وأنت غاضب من نفسك، اسأل لماذا خسرت، وارفض أن تتكرر الخسارة.
هكذا تُصنع شخصية البطل.
وأخشى أن تكون أخطر خسائر النور في السنوات الأخيرة ليست بطولة ذهبت إلى الخليج أو مضر أو غيرهما، وإنما التراجع التدريجي في ثقافة الانتصار.
والبطولات تبدأ من هنا.
لا تبدأ من التعاقد مع محترف عالمي، ولا من تغيير المدرب، ولا من معسكر خارجي.
تبدأ عندما يدخل اللاعب إلى الملعب مقتنعاً بأن القميص الذي يرتديه له ثمن، وأن خلفه تاريخاً صنعه رجال ونجوم وأجيال، وأن الجماهير لا تنتظر منه المشاركة فقط، وإنما تنتظر منه أن يكون امتداداً لذلك التاريخ.
النور يحتاج اليوم إلى مشروع يعيد بناء الشخصية قبل الفريق.
يحتاج إلى أن يعرف اللاعب الشاب ماذا يعني اسم النور في كرة اليد السعودية، ومن هم الرجال الذين صنعوا هذا التاريخ، وكيف كانت البطولات تُنتزع، وكيف كانت الخسارة تُوجع، وكيف كانت سنابس تعيش تفاصيل كرة اليد.
التاريخ لا ينبغي أن يكون صوراً معلقة على الجدران.
التاريخ يجب أن يسكن عقل اللاعب وقلبه عندما يدخل الملعب.
ولهذا، قبل الحديث عن محترف جديد، أو صفقة جديدة، أو تغيير فني جديد، أعيدوا السؤال الأهم:
كيف نعيد للنور ثقافة الانتصار؟
لأن النادي الكبير لا يموت عندما يخسر بطولة، ولا عندما يمر بموسم سيئ.
النادي الكبير يبدأ الخطر الحقيقي عليه عندما يعتاد الهزيمة.
أما السوبر، فقد ترك لدي انطباعاً مبكراً بأن الدوري قد يبدأ باهتاً فنياً إذا استمرت الصورة كما شاهدناها، خصوصاً مع غياب بروز مواهب جديدة وعدم ظهور عدد من النجوم بالمستوى المنتظر.
وكنت أتمنى أن يكون السوبر نافذة نرى منها جيلاً جديداً قادماً بقوة، لا مجرد إعادة تدوير للأسماء والمشهد نفسه.
الخليج انتصر واستحق أن يفرح بانتصاره، لكن الحديث عن النور مختلف.
لأن السؤال في سنابس اليوم لا يجب أن يكون:
لماذا خسر النور السوبر؟
السؤال الأخطر والأهم هو:
أين النور الذي كنا نعرفه؟
ذلك النور الذي كان خصمه يشعر بثقله قبل صافرة البداية، والذي كانت الهزيمة بالنسبة إليه جرحاً لا يلتئم بسهولة.
أعيدوا للنور هذه الروح.
أعيدوا للاعبيه ذلك الكبرياء الرياضي الجميل.
أعيدوا ثقافة أن المركز الثاني ليس طموحاً، وأن المشاركة ليست إنجازاً، وأن التاريخ مسؤولية وليست أغنية نتغنى بها.
فالنور اليوم لا يحتاج أولاً إلى بطولة جديدة…
إنه يحتاج إلى استعادة نفسه.
وحين يعود النور إلى نفسه،
ستعود البطولات إلى معرفة الطريق نحو سنابس.
زهير الضامن
معلق رياضي






