حين يرتدي الوطن قميصه !!

هناك شيء في المنتخب الوطني لا يشبه أي فريق آخر.
حين يرتدي اللاعب قميص وطنه، لا يرتدي قماشًا فحسب؛ بل يحمل ذاكرة المكان، وملامح الحي، ولهجة المنطقة، ووجوهًا رافقته منذ الخطوة الأولى. يحمل أحلام طفلٍ بدأ الركض في ساحة فريقه الصغير، ثم كبر الحلم معه، حتى وجد نفسه يومًا تحت راية وطنه.
فالمنتخب ليس مجرد مجموعة لاعبين اجتمعوا لخوض بطولة؛ إنه صورة تختصر وطنًا كاملًا في لحظة. فيه تلتقي الرياضة بالهوية، ويلتقي الحاضر بالماضي، ويصبح الملعب مسرحًا للحكايات التي ورثناها، وللأحلام التي تتناقلها الأجيال.
لهذا يكون فرحنا مختلفًا حين نرى لاعبًا نشأ بيننا. نعرف بداياته، ونعرف النادي الذي فتح له أبوابه، والمدرب الذي رأى فيه شيئًا قبل أن يراه الآخرون. وربما نتذكره طفلًا شغوفًا، قبل أن يصبح اسمه على قمصان الجماهير.
وحين يسجل بقميص الوطن، لا نرى الكرة وهي تعانق الشباك فقط؛ نرى سنوات من التعب، ودموع الخسارة، وفرحة الأسرة، وصوت الأصدقاء، ويد مدربٍ امتدت إليه ذات يوم في أول الطريق.
قد تمنح الاستعانة بلاعب مُستقطَب قدرة أكبر على المنافسة، وقد يأتي الانتصار على يديه، ويظل إنجازًا يستحق الاحتفاء. وليس في ذلك انتقاص من اللاعب أو من عطائه.
لكن بعض الانتصارات لها طعم آخر.
فهناك فرق بين أن نفرح لأن منتخبنا فاز، وأن نشعر أن لاعبينا هم من فازوا.
الأول يملأ المدرجات صخبًا، أما الثاني فيترك في القلب أثرًا لا تمحوه السنوات.
وحين يصعد أحد أبنائنا إلى منصة التتويج، لا نرى ميدالية معلقة على صدر لاعب؛ نرى امتدادًا لحكاية بدأت قبل سنوات، ونرى طفلًا آخر ينظر إليه من بعيد، ويؤمن أن القميص الذي يحمله ذلك اللاعب يمكن أن يكون له يومًا.
وهنا لا يعود المنتخب مجرد فريق يبحث عن بطولة، بل يصبح جسرًا بين جيلين؛ يحمل ذاكرة الذين صنعوا الطريق، ويفتح الطريق أمام الذين سيأتون بعدهم.
فأجمل ما في قميص الوطن أنه لا يمنح من يرتديه شرف تمثيله فقط؛ بل يمنح من يراه حقّ الحلم.
وحين يكون المتوّج واحدًا من أبنائنا، نشعر أن الميدالية لم تُعلّق على صدره وحده؛ كأنها امتدت إلى قلوبنا جميعًا، وإلى ذاكرة وطنٍ يعرف أبناءه، ويعرفون أنفسهم فيه وبه.
فيصل أبو عبدالله






