كتّاب الرأي

المكافآت تجذب الأجانب ولا تطوّر المواهب الوطنية

 بطولات الألعاب الرياضية المفتوحة لا تؤدي دورها الطبيعي كمنصّات لصقل المواهب، بل تحوّلت إلى ساحات تُدار بعقلية الربح السريع، لا بعقلية بناء لاعب قادر على تمثيل الوطن في المنافسات الخارجية. هذا التحوّل لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج تراكمات تنظيمية وفنية أفرغت البطولات من مضمونها الرياضي الحقيقي. ومع مرور الوقت، أصبحت بعض الفرق رهينة لمدربين سماسرة أجانب يتنقّلون بين الأندية واللاعبين بحثًا عن مكاسب شخصية، فتتسع دائرة التحايل وتترسّخ ممارسات تُشوّه البيئة التنافسية وتُعطّل مسار التطوير الرياضي.

      البطولة المفتوحة، حين تُترك بلا معايير فنية واضحة، تصبح بيئة غير متوازنة؛ لاعب محلي يبحث عن فرصة للتطور، يقف أمام لاعب أجنبي أو محترف جاء بهدف المكافأة فقط. الفارق الفني الكبير يجعل الاحتكاك غير مفيد، ويجعل النتيجة محسومة قبل أن تبدأ. هنا لا يحدث تطوير، ولا تُصنع أرقام، ولا تُبنى ثقة، بل تُصنع فجوة تتسع مع كل بطولة.

الأخطر أن هذا النوع من البطولات يخلق تصنيفًا وهميًا اللاعب الذي يجمع نقاطًا من بطولات مفتوحة بلا تجارب حقيقية، يحصل على ترتيب أعلى من مستواه الفعلي. وعندما يخرج للمنافسة الآسيوية أو الأولمبية، يكتشف أن التصنيف لم يكن سوى رقم على الورق، وأن الفجوة بينه وبين المنافسين أكبر بكثير مما كان يعتقد. التصنيف هنا لا يعكس مستوى، بل يعكس خللًا في فلسفة البطولات نفسها.

كما أن ربط البطولات بالجوائز المالية يغيّر عقلية اللاعب. فبدل أن يدخل البطولة بعقلية التطوير، يدخلها بعقلية المكافأة. يصبح الهدف هو الفوز السريع، لا بناء رقم أو مهارة أو مستوى. ومع الوقت، يتراجع الالتزام، وتضعف الرغبة في التدريب، وتتحول المشاركة إلى نشاط تجاري قصير المدى. الرياضة هنا تفقد روحها، لأن اللاعب الذي يبحث عن مكافأة لا يبحث عن منافسة.

الاتحادات التي تعتمد على البطولات المفتوحة كوسيلة لرفع التصنيف أو زيادة المشاركة، تفقد القدرة على بناء قاعدة لاعبين حقيقية. التطوير لا يحدث في بيئة مفتوحة بلا ضوابط، بل في بطولات موجهة، مغلقة أو شبه مغلقة، تُبنى على معايير فنية دقيقة، وتستهدف فئات محددة بهدف رفع المستوى لا رفع عدد المشاركين. البطولة التي لا تُنتج رقمًا ولا تُصنع لاعبًا، مهما كان حجم جوائزها، لا قيمة لها.

الرياضة تُبنى على أثر البطولة، لا على مكافآتها. تُبنى على ما تضيفه للمنظومة، لا على ما توزعه من جوائز. المال قد يجذب لاعبًا، لكنه لا يصنع بطلًا، ولا يخلق رقمًا آسيويًا أو أولمبيًا. البطولة التي لا تترك أثرًا فنيًا، تبقى مجرد حدث عابر، مهما كان حجم المشاركة فيه.

كما تشارك في هذه البطولات أيضًا بعض الأكاديميات المحلية التي عززت هذا النهج المالي؛ فدفعت لاعبيها للمشاركة بحثًا عن المكافآت لا عن التطوير. هذا التوجّه يرسّخ عقلية العائد السريع منذ المراحل الأولى، ويعيد إنتاج المشكلة نفسها: مشاركة بلا أثر، وتصنيف بلا قيمة، ومسار يفقد معناه قبل أن يبدأ.

وخلاصة، البطولات المفتوحة لم تعد منصّات تطوير، بل تحولت إلى ساحات تُدار بعقلية المكافآت. مشاركة لاعبين أجانب بلا قيمة فنية، وتصنيف يتضخم بلا مستوى حقيقي، ولاعب يدخل المنافسة بعقلية المكافأة لا بعقلية الإنجاز؛ كل ذلك جعل البطولة نشاطًا ماليًا لا يصنع رقمًا ولا يبني لاعبًا. الرياضة تُبنى على أثر البطولة، لا على جوائزها، وعلى صناعة منافس حقيقي لا على ملء قوائم المشاركة.

بروفسور عبد العزيز المصطفى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com