عندما يصبح الانتماء خياراً صعباً… هل يغادر اللاعب بيته الدافئ؟

حتى في صباح عطلات نهاية الأسبوع، حين يخيّم الهدوء على المدينة، تنبض صالة كرة اليد بالحياة. صوت ارتداد الكرة، خطوات الصغار، وهتافهم البسيط يخلقون أجواءً مألوفة اعتاد عليها اللاعب منذ سنوات. وفي وسط الملعب، يقف المدرب يوجّه لاعباً، ويصحّح خطأ آخر، ويوازن بين الحزم والتشجيع، إدراكاً منه أن التطور يحتاج وقتاً وجهداً.
هذه البيئة لم تكن مجرد مكان للتدريب، بل كانت مساحة نشأ فيها اللاعب، وتكوّنت فيها علاقاته الأولى، وشهدت بداياته ومحاولاته الأولى. هنا، تشكّلت علاقة تتجاوز حدود الرياضة، علاقة أقرب إلى الأسرة في قربها وصدقها. ومع مرور الوقت، يواجه اللاعب سؤالاً حقيقياً: هل يبقى في بيئته الأولى، أم ينتقل إلى مرحلة الاحتراف؟ فالانتقال من الهواية إلى الاحتراف ليس قراراً سهلاً. في ناديه الأول، يحظى اللاعب بدعم جماهير يعرفها ويعرفونه، وبتعامل إنساني لا يرتبط بنتيجة مباراة. الانتماء هنا جزء من الهوية.
لكن في البيئة الاحترافية، تتغير المعايير. يصبح اللاعب جزءاً من منظومة تعتمد على الأرقام، ويُقاس التقدير بما يقدّمه داخل الملعب. القبول مرتبط بالأداء، والعلاقة محكومة بالنتائج. ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل واقع اللاعب. فهو شاب يرى عمره الرياضي يمضي، وتأمين مستقبله حق مشروع. لذلك، لم يعد منطقياً الاكتفاء بمخاطبة عاطفته أو مطالبته بالولاء بينما احتياجاته المادية تضغط عليه وتؤثر في قراراته.
وهنا يأتي دور إدارة النادي، التي تتحول من مجرد جهة تطالب بالانتماء إلى شريك فعلي يوفر بيئة تجمع بين الجانب الإنساني والاحترافية. فالنادي الذي يضع مصلحة لاعبه في المقدمة لا يكتفي بالشعارات، بل يترجم ذلك إلى ممارسات ملموسة. فإذا كانت الموارد المالية متاحة، يمنح النادي ابنَه أولوية الدعم، سواء كان طالباً في مرحلة الثانوية أو في الجامعة، بما يضمن الوقوف إلى جانبه ومساندته في مساره الدراسي والمهني. وخلال مسيرته الرياضية، يدفعه لتطوير مهاراته المهنية إلى جانب مهاراته في الملعب. وحتى عندما لا يكون لاعباً مميزاً داخل الملعب، يمنحه النادي دوراً آخر في المنظومة، سواء في الإعلام أو الإدارة أو التنسيق أو أي مجال يمكن أن يستفيد فيه من خبرته. وعندما تتوفر فرص خارجية، يكون النادي أول الداعمين له.
هذه الممارسات تجعل اللاعب يشعر بأن النادي يتعامل معه كما تتعامل الأسرة مع أحد أبنائها. فمهما حدث من خلافات أو تباين في وجهات النظر، يبقى الابن واثقاً بأن عائلته ستقف معه في السراء والضراء.
وفي النهاية، لا يُقاس الانتماء بالشعارات، بل بمدى شعور اللاعب بأن ناديه يقف إلى جانبه حين يحتاجه. فالاحتراف واقع لا يمكن تجاهله، والمستقبل مسؤولية لا يمكن تأجيلها. لكن النادي الذي ينجح في الجمع بين الاحتواء والاحترافية، ويعامل لاعبيه كشركاء لا كأرقام، هو النادي الذي يحافظ على أبنائه، ويجعل خيار البقاء أسهل من أي عرض خارجي. فالولاء لا يُشترى، لكنه يُصنع، ويُصنع فقط عندما يشعر اللاعب أن بيته الأول ما زال المكان الأكثر أماناً وانتماءً.
فيصل أبو عبدالله
مشرف لعبة كرة يد






