كتّاب الرأي

لا تُقاس قيمة الإنسان بنتيجة مباراة!!

 

 

على الرغم من وفرة وسائل الإعلام واتساع فضاءات التواصل، لا تزال الرياضة تحتفظ بقدرتها الفريدة على تحريك المشاعر الإنسانية. ففي كل موسم رياضي تتكرر المشاهد ذاتها حول نتيجة المباراة: مدرجات تهتف فرحًا بانتصار، وأخرى يخيّم عليها الحزن بعد تعثّر أو عدم تحقيق الهدف. هذه الانفعالات جزء أصيل من جمال اللعبة، غير أنها تتجاوز في كثير من الأحيان حدود المنافسة الرياضية لتتحول إلى مساحة للتنافس على الوجاهة الاجتماعية وإثبات التفوق الرمزي بين الجماهير.

فلم يعد الفوز لدى بعض المشجعين مجرد حصيلة الأداء الفني للفريق، بل أصبح محمّلًا بدلالات تتجاوز الحجم الطبيعي للتنافس. فالفوز يُستقبل كأنه مكسب شخصي يعزز المكانة بين الأقران والأصدقاء وأفراد الأسره، بينما تُقرأ الخسارة كأنها انتقاص من الهيبة أو الكرامة، فتُفتح أبواب الاستفزاز والشماتة على مصراعيها. وفي هذا المناخ المشحون، يبحث البعض عن مكاسب معنوية عابرة لا علاقة لها بجوهر الرياضة، بقدر ما ترتبط بالرغبة في إثبات الأفضلية على الآخرين.

ويجد هذا السلوك ما يعززه في بعض وسائل الإعلام والبرامج الرياضية التي تبني حضورها على الإثارة، وفي المنصات الرقمية التي تكافئ الخطاب الأكثر حدّة لأنه الأقدر على جذب التفاعل. غير أن اختزال الظاهرة في الإعلام وحده لا يبدو منصفًا؛ فجزء من الاحتقان يتشكل نتيجة تراكمات طويلة من الإخفاقات الرياضية، وسوء الإدارة، وغياب الاستقرار داخل بعض الأندية، ما يدفع الجماهير إلى البحث عن خصم أو شماعة تُفرغ فيها حالة الإحباط المتراكمة.

ومع ذلك، تبقى العاطفة الرياضية عنصرًا جوهريًا في اللعبة، بل أحد أهم أسباب شعبيتها. فالمشكلة ليست في وجود الشغف، بل في فقدان القدرة على ضبطه وتوجيهه نحو مسارات أكثر وعيًا واتزانًا. فالحماس غير المضبوط يتحول من طاقة إيجابية إلى وقود للتوتر الاجتماعي، ويُفقد الرياضة رسالتها التنافسية الأخلاقية.

إن مواجهة هذا التشنج لا تعني تجفيف منابع الحماس؛ فالرياضة بلا صخب تفقد جزءًا من بريقها. لكنها تتطلب نقلة وعي تعيد تعريف الفوز والخسارة بوصفهما نتاج نجاح وتخطيط وتنافس مشروع، لا مقياسًا لقيمة الإنسان أو مكانته الاجتماعية. كما تتطلب ترشيد الخطاب الإعلامي، وتعزيز الضوابط التي تحد من الكراهية والتحريض، وترسيخ ثقافة رياضية تُعلّم الشباب كيف ينتصر بتواضع ويخسر باحترام.

وحين يدرك المشجع أن قيمته الإنسانية أعلى من نتيجة لقاء كروي، وأن لوحة النتائج تتغير بينما تبقى القيم ثابتة، عندها تستعيد الرياضة رسالتها الحقيقية كوسيلة للمتعة وبناء الشخصية وتعزيز التنافس الشريف، لا كساحة صراعات لا رابح فيها.

فيصل أبو عبدالله

مشرف كرة يد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بارك الله فيك أبو عبد الله وجزاك الله كل خير عن الرياضيين والعاملين والمحبين للرياضة على الموضوعات المتميزة والشيقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com