من مقاولات الرياضة إلى تآكل الهوية التنافسية

تشهد بعض الأندية الرياضية تحولًا متزايدًا نحو تسليم الألعاب الرياضية لشركات أو أفراد عبر عقود تشغيل تعتمد على نسب مالية أو مكافآت مرتبطة بالنتائج. ورغم أن هذا النموذج يبدو حلًا لتخفيف الأعباء المالية، إلا أنه يخلق فجوة خطيرة بين متطلبات التطوير الرياضي وبين ما يُطبّق فعليًا داخل النادي.
فالجهات المتعاقدة، التي تنظر إلى اللعبة بوصفها مصدر دخل، تتعامل مع اللاعبين كأرقام، ومع المدربين كتكلفة يجب تقليصها، ومع المرافق كعبء لا ضرورة لتطويره. ومع غياب رؤية فنية أو بنية تدريبية مستقرة، تتحول اللعبة إلى نشاط بلا جذور، وبلا مواهب، وبلا مستقبل. وتشير دراسات في إدارة الرياضة إلى أن هذا النموذج يؤدي إلى تراجع جودة التدريب، وضعف اكتشاف المواهب، وانهيار الهوية التنافسية للأندية.
ولا يقف أثر هذا التراجع عند حدود النادي؛ بل يمتد مباشرة إلى المنتخبات الوطنية التي تعتمد على الأندية في بناء قواعدها الفنية. فعندما تُدار الألعاب بعقلية المقاولات، وتختفي برامج التطوير طويلة المدى، يجد المنتخب أمامه قاعدة ضعيفة، ولاعبين غير مؤهلين، ومستويات لا تعكس طموح الدولة ولا برامجها الوطنية. وقد رصدت اتحادات دولية أن ضعف الأندية هو أول مؤشر على ضعف المنتخبات، لأن المنتخب لا يصنع اللاعب، بل يستقبل ما تنتجه الأندية.
كما ينعكس هذا النموذج على الاستقرار النفسي للاعبين. فاللاعب الذي يعيش في بيئة غير مستقرة إداريًا أو فنيًا، ويُعامل كرقم لا كموهبة، يعاني من انخفاض الدافعية، وتراجع الثقة في المنظومة، وقلق مستمر حول مستقبله. وتؤكد دراسات في علم النفس الرياضي أن البيئة غير المستقرة تُضعف الالتزام، وتؤثر على الأداء مهما كانت موهبة اللاعب.
ومع مرور الوقت، يصبح النادي أسيرًا للجهة المتعاقدة؛ لا يملك قرارًا فنيًا، ولا يستطيع تقييم العمل، ولا يدرك حجم التراجع إلا حين تظهر النتائج الهزيلة أو حين يفقد اللعبة بالكامل. وهكذا يتحول Outsourcing من حل مالي قصير المدى إلى عائق استراتيجي طويل المدى، يحدّ من تطور الألعاب الرياضية والمدرب الوطني، ويُفقد الأندية هويتها، ويضعف اكتشاف المواهب، ويُنهك المنتخبات.
وخلاصة، إن غياب الرؤية الواضحة والاستثمار والاستدامة في إدارة الأندية الرياضية يضعها أمام تحديات تمسّ بنيتها الفنية والإنسانية. ومع غياب إطار تنظيمي واضح من وزارة الرياضة واللجنة الأولمبية يضمن التخطيط طويل المدى والضوابط الفنية الصارمة، تتفاقم هذه الظاهرة وتبتعد الأندية والمنتخبات عن دورها الأساسي في صناعة المواهب وبناء منظومة رياضية مستدامة. واستمرار الوضع دون معالجة جذرية سيقود إلى تراجع الألعاب الرياضية عن مسارها الطبيعي، وفقدان القدرة على تطوير الكوادر وتحقيق تنافسية حقيقية على المدى الطويل.
بروفسور عبد العزيز المصطفى






