حين تصبح الميدالية أهم من اللاعب

في كرة اليد السعودية، يكمن في الفئات السنية فخّ صامت وهو أن تتحول الميدالية من ثمرة طبيعية لتطور اللاعب إلى غاية يُدفع ثمنها من رصيد مستقبله.
قد يكون الفوز مغريًا إلى درجة تنسينا الأهم حول: ماذا أضاف هذا الموسم إلى اللاعب؟ فعندما تصبح البطولة هي المعيار الأول، قد يختار المدرب الطريق السريع إلى الانتصار: لاعبًا أكثر جاهزية، وتكتيكًا أكثر أمانًا، وتعليمات تقلل مساحة التجربة والخطأ. تأتي الميدالية، لكن اللاعب قد يخرج من الموسم دون أن يجري المسافة التي كان يفترض أن يجريها في رحلتة.
النماذج العالمية الناجحة في صناعة المواهب (مثل فوكسة برلين الألماني ومونبلييه الفرنسي) لا تتعامل مع الفوز والتطوير باعتبارهما خصمين؛ بل تبني منظومة تجعل الفوز نتيجة للتطور، لا بديلًا عنه. فالفئات السنية ليست بطولات صغيرة تُنسى، بل معمل يُصنع فيه لاعب الفريق الأول والمنتخب.
لكن من المهم الإشارة إلى أن التطوير لا يعني التخلي عن المنافسة. التحدي الحقيقي هو خلق توازن واقعي بين الفوز وصناعة اللاعب؛ فالفوز يعلّم اللاعب عقلية التحدي، ويمنحه خبرة الضغط، ويصنع له ذاكرة تنافسية يحتاجها في المستقبل. أما التطوير فيمنحه المهارات التي تجعله قادرًا على الفوز عندما يصل إلى الفريق الأول. النجاح الحقيقي هو أن نربط الاثنين معًا، لا أن نختار أحدهما على حساب الآخر.
هنا تبدأ مسؤولية النادي الحقيقية وهي أن يمتلك مسطرة قياس تتجاوز النتيجة. والتحدي الأكبر ليس في طرح الفكرة نظرياً، بل في ممارستها؛ كيف نُقنع الإدارة والجماهير والإعلام، الذين يقيسون نجاح الموسم بعدد الكؤوس، بتبنّي معايير طويلة المدى؟
الإجابة تبدأ بربط تقييم المدربين بمؤشرات تطور لاعبيهم لا بالنتائج فقط. وهذه المؤشرات ليست مفهومًا مجردًا، بل قابلة للقياس بوضوح: تطور القدرات المهارية والبدنية، تطور سرعة اتخاذ القرار تحت الضغط، تنوع الخيارات التكتيكية التي يجيدها اللاعب مقارنة ببداية الموسم، وقدرته على أداء أكثر من مركز واحد في الدفاع والهجوم. وعندما تُدرج هذه المعايير ضمن تقييم المدرب رسميًا، لن يعود أمامه إغراء التضحية بتطور لاعبيه من أجل نتيجة عابرة، لأن مسيرته المهنية نفسها ستُقاس بما يصنعه لا بما يفوز به فقط.
ولتعزيز هذا التوازن، يمكن للأندية أن تتبنى نماذج تطبيقية واضحة: تحديد دقائق لعب إلزامية للاعبين الصاعدين، وضع خطط تطوير فردية لكل لاعب، وإشراكهم في لحظات حقيقية من المباريات حتى لو كانت محفوفة بالمخاطرة. هذه الخطوات تجعل الفوز جزءًا من عملية التطوير، لا عائقًا أمامها.
الفئات السنية في كرة اليد السعودية ليست فريقًا صغيرًا نبحث له عن بطولة صغيرة؛ إنها المكان الذي يُبنى فيه مستقبل الفريق الأول والمنتخب. فالميدالية لحظة تُلتقط لها صورة قد تُنسى، أما اللاعب فهو الصورة الأجمل التي تبقى لسنوات طويلة.
وحين تتعارض الميدالية مع نمو اللاعب، علينا أن نتذكر أننا لا نبني موسمًا… نحن نبني مستقبلًا.
فيصل أبو عبدالله





