جماهير كرة اليد تبرّبر على قرار الـ15 ريال على منصات التواصل

في كرة اليد، لم تعد المشكلة فنية ولا إدارية بقدر ما أصبحت سلوكية جماهيرية. فبينما تتقدم اللعبة وتحقق حضورًا لافتًا، يقف جزء من جمهورها في الخلف، يمارس أعلى درجات النقد، وأقل درجات الدعم. جمهور يريد نتائج كبيرة، لكنه لا يقدم مساهمة صغيرة.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في قضية التذاكر؛ فبعض الجماهير ترى أن 15 ريالًا مبلغ كبير، وكأن حضور المباراة عبء لا يستحق الاستثمار، بينما لا يتردد هؤلاء في إنفاق أضعاف هذا المبلغ يوميًا على ترفيه لا يضيف شيئًا للعبة أو للنادي الذي يدّعون الانتماء إليه. هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه بربرة سلبية: ضجيج بلا حضور، اعتراض بلا التزام، ومطالبات لا تستند إلى أي مساهمة فعلية.
ومن المهم الإشارة إلى أن رسوم الدخول ليست مجرد مبلغ رمزي، بل جزء من منظومة دعم تساعد النادي على تغطية بعض تكاليف الفريق. ومع ذلك، يصرّ بعض الجماهير على النظر إلى الرسوم كعبء، متجاهلين أن الأندية لا يمكن أن تستمر في تقديم مستوى تنافسي دون مساهمة جماهيرية بسيطة.
في المقابل، هناك بربرة إيجابية تستحق الإصغاء والتفكير؛ تلك التي تأتي من أصحاب الخبرة، ومن جماهير واعية تدرك أن النقد مسؤولية، وأن التطوير يبدأ من المدرج قبل أن يصل إلى المدرب أو الإدارة. هؤلاء يعرفون أن الفريق لا يحتاج إلى بربرة فارغة بقدر ما يحتاج إلى أصوات حقيقية في المدرج.
ورغم أن كرة اليد صنعت تاريخًا من الإنجازات والمواهب، إلا أنها تعيش فجوة بين شغف جماهيري كبير ومشاركة جماهيرية ضعيفة. اللعبة تتقدم، لكن بعض جمهورها يكتفي بالمشاهدة من بعيد، ويحوّل منصات التواصل إلى ساحات نقد، بينما يغيب عن المكان الوحيد الذي يصنع الفارق: المدرج.
الحضور في الملعب ليس مجرد وجود جسدي؛ إنه تصويت على الانتماء، وإعلان دعم لا يمكن استبداله بتغريدة أو تعليق. اللاعبون أنفسهم يؤكدون أن صوت الجمهور ليس مجرد تشجيع، بل طاقة تدفعهم في اللحظات الصعبة. المدرج يصنع الفارق، ويحوّل المباراة من مواجهة عادية إلى معركة تُلعب بروح مختلفة. ومع ذلك، يفضّل البعض البقاء خلف الشاشة، أو إطلاق الأحكام، أو تكرار العبارات الجاهزة، بينما يغيبون في اللحظة التي يحتاج فيها الفريق إلى صوتهم.
ولا يمكن لنادٍ أن ينهض بنقدٍ لا يرافقه دعم، ولا لفريق أن يبني قوته على بربرة لا تتجاوز حدود الكلام. وهنا يظهر الدور الحقيقي لروابط الجماهير. فهي ليست منصة للظهور الشخصي، بل منظومة دعم يجب أن تمتلك خطة، وتنظيمًا، وقدرة على التحشيد وصناعة هوية واضحة للمدرج. رابطة النادي التي لا تستطيع جمع جمهورها في اللحظات الصعبة، أو لا تتحرك إلا عند الفوز، تفقد جزءًا كبيرًا من وظيفتها الأساسية، وتتحول من عنصر قوة إلى عبء.
ولردم هذه الفجوة، يمكن لرابطة الجماهير أن تتبنى خطوات عملية، مثل مبادرات تشجع الجمهور على المشاركة، وبرامج نقاط للحضور، وفعاليات قبل المباريات، إضافة إلى محتوى إعلامي يعزز ثقافة الانتماء ويبرز أثر الجمهور في المباريات.
في النهاية، نجاح كرة اليد في الشرقية لا يعتمد على اللاعبين وحدهم، بل على جمهور يدرك أن الانتماء فعل لا قول، وأن الدعم يبدأ من المدرج قبل أن يصل إلى المنصات. وعندما يتحول الجمهور من متذمر إلى مشارك، ومن ناقد إلى داعم، يصبح المدرج قوة لا يمكن تجاهلها، ويصبح النادي أقرب إلى تحقيق طموحاته.
بروفيسور عبدالعزيز المصطفى
إصدار للمؤلف
التطور النفسي الحركي والمعرفي في مرحلة الطفولة
بروفيسور عبد العزيز بن عبد الكريم المصطفى
متوفر لدى مرصد الخبراء — 40 ريالاً







