حين تتغيّر قواعد المنافسة يصبح التكيّف خيارًا لا غنى عنه

لم يكن نادي النور مجرّد فريق يسعى إلى منصات التتويج، بل مؤسسة رياضية صنعت أجيالًا وأسهمت في تشكيل تاريخ كرة اليد السعودية. ولذلك، فإن تراجعه في المشهد التنافسي خلال السنوات الأخيرة لا يمكن تفسيره بسبب واحد، بل هو حصيلة متغيرات متداخلة أعادت رسم بيئة اللعبة وغيّرت موازين المنافسة.
فالعامل المالي أصبح أكثر تأثيرًا في استقطاب اللاعبين واستقرارهم، كما أفرزت لائحة الانتقالات واقعًا جديدًا يتيح للاعب الانتقال حتى وإن قدّم ناديه أعلى قيمة تعاقدية يسمح بها النظام، لتصبح رغبته الشخصية هي العامل الحاسم. وقد منحت هذه الآلية أفضلية للأندية الأكثر قدرةً مالية على استقطاب النجوم، مقابل تراجع قدرة الأندية التي استثمرت في إعدادهم على الاحتفاظ بهم.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في رحيل ستة عشر لاعبًا خلال السنوات الأخيرة، كان معظمهم من الركائز الأساسية للمنتخبات السعودية، من بينهم أفضل لاعب سعودي، إلى جانب موهبة حققت إنجازًا غير مسبوق بالمشاركة مع منتخبات الناشئين والشباب والمنتخب الأول في منافسات التأهل إلى كأس العالم خلال عام واحد. وهي خسارة لا تعكس حجم الرحيل فحسب، بل تكشف حجم التحدي الذي تواجهه الأندية التي تستثمر في صناعة المواهب ثم تجد نفسها أمام صعوبة الاحتفاظ بها. ولعل منح النادي الأم حق الاحتفاظ بلاعبه عند معادلة أعلى عرض مالي كان من شأنه أن يحقق توازنًا أفضل بين حرية اللاعب وحماية استثمارات الأندية.
غير أن هذه المتغيرات لا تعفي أي إدارة من مسؤولية التكيّف. فالإدارة الفاعلة لا تكتفي بمراقبة التحولات، بل تبني بيئة تعزّز الثقة والانتماء. كما أن الحفاظ على النجوم لا يعتمد على الجانب المالي وحده، بل يتأثر أيضًا بجودة العلاقة بين الإدارة واللاعبين، والشعور بالتقدير، ووضوح المشروع الرياضي.
وتشير الوقائع خلال المواسم الأخيرة إلى أن العلاقة بين الإدارة ونجوم الفريق لم تكن بالمستوى الذي يعزّز الاستقرار، وهو ما أسهم، إلى جانب الإغراءات المالية التي قدمتها الأندية المنافسة، في رحيل عدد من اللاعبين المؤثرين. فاللاعب لا يبحث عن المقابل المالي فقط، بل عن التقدير، والاستقرار، والإيمان بالمشروع الذي ينتمي إليه.
وعلى الصعيد الفني، لا تُبنى البطولات على جيل واحد، بل على منظومة تتجدّد باستمرار. ورغم امتلاك النور مواهب واعدة في الفئات السنية، فإن مخرجات هذه الفئات لم ترتقِ إلى مستوى تعويض رحيل النجوم، وهو ما يستدعي مراجعة برامج الإعداد، ورفع كفاءة المدربين، وتحسين جودة العمل الفني في مراحل التكوين، بما يضمن استدامة رفد الفريق الأول بعناصر قادرة على المنافسة.
ويمتلك النور من التاريخ والهوية ما يؤهله للعودة، لكن هذه العودة لن تتحقق بالاعتماد على الإرث وحده، بل عبر رؤية إدارية مرنة، ومشروع فني احترافي، ولوائح أكثر توازنًا بين حرية اللاعب وحماية الأندية.
فالتاريخ يمنح الأندية مكانتها، لكنه لا يحافظ عليها؛ وحدها القدرة على قراءة المتغيرات، وحسن التكيّف معها، هي التي تصنع المستقبل. والمنافسة اليوم لا تكافئ أصحاب الأمجاد الماضية، بل تكافئ من يستعد لما هو قادم.
فيصل أبو عبدالله






