الأدعم بين أمجاد الأمس وحتمية التجديد

ما يقدمه المنتخب القطري لكرة اليد خلال منافسات دورة الألعاب الخليجية الأخيرة، وقبلها بطولة آسيا، يفتح باب الحديث بوضوح عن مرحلة مفصلية يعيشها “الأدعم”، مرحلة تحتاج إلى قرارات جريئة أكثر من حاجتها إلى المسكنات الفنية المؤقتة.
المنتخب القطري لا يزال يمتلك أسماء كبيرة صنعت تاريخاً لافتاً قارياً وعالمياً، لكن الواقع داخل الملعب كشف أن عدداً من هذه الأسماء تجاوزت المرحلة التي يمكنها الاستمرار بنفس النسق البدني والفني، مهما بلغت الخبرة أو القيمة التاريخية للاعب. كرة اليد الحديثة أصبحت تعتمد على الإيقاع السريع، والتحول المستمر، والقدرة البدنية العالية، وهي عناصر ظهرت فيها الفجوة بشكل واضح أمام منتخبات أكثر حيوية وتجديداً.
الاتحاد القطري بدوره حاول البحث عن حلول فنية عبر تغيير الأجهزة التدريبية، فابتعد عن المدرب المونتينيغري فاسيلي، ثم أعاد الإسباني فاليرو، كلا التجربتين لم تصنع الفارق المطلوب، لتنتهي المرحلة بإقالة فاليرو أيضاً. وبين هذا وذاك، بدأت فترة جوران “رغم قصرها” أكثر استقراراً ووضوحاً من الناحية الفنية مقارنة بما حدث لاحقاً.
المنتخب القطري بحاجة فعلية إلى لقب خليجي يعيد إليه الثقة وهيبة السنوات الماضية، خصوصاً بعد التراجع القاري الأخير، لكن الواقع جاء معاكساً تماماً، بعدما سقط أمام المنتخب البحريني مرتين خلال أقل من ستة أشهر، مرة في البطولة الآسيوية، وأخرى في الألعاب الخليجية، ليؤكد “المحارب الأحمر” أن الاستقرار والتجديد المدروس يصنعان الفارق أكثر من الاعتماد على الأسماء والتاريخ.
ما يميز التجربة البحرينية اليوم أن عملية الإحلال والتجديد بدأت مبكراً وبهدوء، مع الإبقاء على ثلاثة عناصر فقط من الجيل السابق وهم محمد عبدالحسين، حسين الصياد، ومحمد حبيب، مقابل منح الفرصة لجيل جديد أصبح يشكل العمود الفقري للمنتخب، وهو ما منح البحرين طاقة أكبر وحلولاً متنوعة داخل الملعب.
في المقابل، بدا المنتخب القطري متمسكاً بالأسماء ذاتها لفترة أطول من اللازم، مع وجود إضافات محدودة جداً من العناصر الشابة، وكأن فكرة التجديد تم تأجيلها موسماً بعد آخر، رغم أن المؤشرات الفنية كانت تؤكد الحاجة إليها منذ فترة.
المرحلة الحالية لا تحتاج من الأدعم التفكير في بطولة قريبة أو لقب جديد بقدر ما تحتاج مشروعاً واضحاً لإعادة البناء. التخلي عن بعض الأسماء التاريخية لن يكون تقليلاً من قيمتها، بل حفاظاً على إرثها واحتراماً لما قدمته. المنتخبات الكبرى لا تسقط عندما تخسر بطولة، بل عندما تتأخر في اتخاذ قرار التجديد.
كما أن الاستحقاقات القادمة تفرض على الاتحاد القطري التحرك سريعاً وعدم إضاعة المزيد من الوقت، فبطولة الألعاب الآسيوية المقبلة، إلى جانب التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى دورة الألعاب الأولمبية، تمثلان تحدياً مختلفاً تماماً عن البطولات الخليجية، سواء من ناحية القوة الفنية أو مستوى المنافسة.
المنتخبات الآسيوية في الشرق والغرب تطورت بشكل كبير، وأصبحت تملك السرعة والعمق والحلول الفنية، بداية من اليابان وكوريا الجنوبية، وصولاً إلى البحرين والسعودية والكويت والإمارات وإيران، فضلاً عن عودة بعض المنتخبات التي تعمل على مشاريع طويلة المدى. لذلك فإن الدخول إلى هذه الاستحقاقات بنفس الأسماء والأسلوب الحالي قد يجعل المهمة أكثر تعقيداً.
الأدعم لا ينقصه التاريخ ولا الإمكانيات، لكنه يحتاج اليوم إلى مشروع فني واضح المعالم، يبدأ بإعادة بناء المنتخب تدريجياً، ومنح العناصر الشابة فرصة حقيقية للاحتكاك وتحمل المسؤولية، حتى وإن كانت البداية صعبة أو النتائج أقل من الطموح في المرحلة الأولى.
الوقت لا يزال متاحاً أمام الاتحاد القطري لتصحيح المسار، لكن الأهم أن تكون هناك قناعة بأن مرحلة كاملة انتهت، وأن المستقبل يحتاج إلى قرارات شجاعة تضمن بقاء الأدعم منافساً حقيقياً على الساحة الآسيوية، لا مجرد منتخب يعيش على ذكريات الإنجازات السابقة.






