كتّاب الرأي

هل تُنصف الإحصائيات الحقيقة في كرة اليد؟

في متابعة المشهد الإعلامي الرياضي، يلفت الانتباه التركيز المتزايد – وأحيانًا المفرط – على الإحصائيات، وكأنها المعيار الموضوعي الوحيد للحكم على تفوق فريق على آخر. لا شك أن لغة الأرقام مغرية، فهي تمنح المتابع إحساسًا بالوضوح والدقة، وترسم ملامح أداء كل فريق بصورة تبدو قاطعة. لكن في لعبة معقّدة وديناميكية مثل كرة اليد، لا يمكن اعتبار الإحصائيات العامل الأهم أو الحاسم دائمًا.
كثيرًا ما ينشغل عشاق اللعبة بمؤشرات فنية مثل عدد الأهداف من مسافة 9 أمتار، فعالية الهجوم الخاطف (Fast Break)، نسبة النجاح في رميات الـ7 أمتار، أو صلابة المنظومة الدفاعية. هذه الأرقام بلا شك تعكس جوانب مهمة من الأداء، وتمنح صورة عامة عمّا يجري داخل الملعب، لكنها لا تختصر حقيقة التفوق ولا تروي القصة كاملة.
فكم من فريق تفوّق رقميًا في معظم المؤشرات، لكنه خرج خاسرًا في النهاية؟ السبب لا يكون في الأرقام ذاتها، بل في ما تعجز عن قياسه: إدارة اللحظات الحاسمة. كرة اليد تُحسم كثيرًا في التفاصيل الصغيرة، وفي الدقائق التي يتضاعف فيها الضغط، وتُختبر فيها الأعصاب والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح.
قد يخسر فريق مباراة رغم أفضليته الفنية بسبب:
•ضعف التعامل مع اللحظات المصيرية
•أخطاء فردية في توقيت بالغ الحساسية
•نقص الخبرة في إنهاء المباريات
•تراجع التركيز في الدقائق الأخيرة
•أو تفوق ذهني ونفسي للمنافس، حتى وإن بدت أرقامه متواضعة
الإحصائيات، في هذا السياق، تشبه العلامات الجانبية على الطريق: تساعدك على معرفة الاتجاه، لكنها ليست الطريق نفسه. فهي أداة تحليل، لا حكمًا نهائيًا. الفريق المتفوّق فعليًا هو من يعرف كيف يحوّل الأداء إلى نتيجة، ويترجم الفرص إلى أهداف، ويحافظ على ثباته الذهني تحت أقسى الضغوط.
في كرة اليد، كما في كثير من الألعاب الجماعية، لا يفوز من يملك الأرقام الأجمل، بل من يملك القدرة على الحسم عندما تكون المباراة على المحك. وهنا، تتراجع لغة الإحصاء، وتتقدّم لغة الشخصية، الخبرة، والقدرة على الانتصار .
بقلم : بروفسور  عبدالعزيز المصطفى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com