التحديات المالية في الأندية الرياضية ودورها في تعميق خلل المنظومة الرياضية

يجمع رؤساء الأندية ومجالس إداراتها على أن الأندية الرياضية تعيش أزمة مالية متراكمة تعود أساساً إلى إلزامها بتوقيع عقود مع لاعبين معظمهم هواة، وهو ما فتح الباب أمام مطالبات مالية بلا حدود. ورغم وجود سقف للعقد الواحد، إلا أن مجموع العقود عند جمعها على عشرات اللاعبين يضع الأندية في عجز مالي دائم. وعندما تتفاقم الديون وتصل الأندية إلى مرحلة الخطر، تتدخل الوزارة عبر ما يسمى بالضبط المالي، بحيث لا يُصرف أي مبلغ إلا بموافقة لجنة الاستدامة، وهو تدخل يأتي متأخراً ولا يعالج جذور المشكلة.
وتعتمد الأندية بشكل شبه كامل على الدعم الحكومي المرتبط بنتائج الألعاب، وهي نتائج غير مضمونة، مما يجعل التخطيط المالي مستحيلاً. فكيف يمكن لنادٍ أن يوقع عقوداً طويلة الأجل وهو لا يعرف ما سيحصل عليه من دخل في الغد؟ ورغم مطالبات الأندية بأن تكون شريكاً في إعداد اللوائح والاستراتيجيات، إلا أنها تبقى مجرد منفذ للقرارات، ما يؤدي إلى حلول غير واقعية تزيد من الديون. والمفارقة أن الدعم المالي الكبير الذي يُضخ سنوياً لا ينعكس على تطوير المنتخبات أو تحسين البنية التحتية، ما يكشف عن خلل في كفاءة المنظومة الحالية.
وانطلاقاً من هذا الواقع، يمكن طرح مجموعة من المقترحات العملية التي تعالج جذور الخلل لا نتائجه فقط، من أبرزها:
- إعادة تصنيف اللاعبين وفصل الهواة عن المحترفين، وإلغاء إلزامية العقود للاعبين الهواة والاكتفاء بنظام مكافآت حضور ومشاركة وفوز، مما يخفض الالتزامات المالية ويربط العقود باللاعبين المحترفين فقط.
- وضع سقف مالي إجمالي للنادي وليس لكل عقد، بحيث تُحدد ميزانية سنوية ثابتة لا يمكن تجاوزها، مما يجبر الأندية على التخطيط ويمنع تراكم العقود الصغيرة التي تُغرق النادي.
- إنشاء تصنيف مالي للأندية شبيه بالتصنيف الائتماني، بحيث تُمنح الأندية ذات التصنيف العالي حرية أكبر في التعاقدات، بينما تُفرض قيود على الأندية ذات التصنيف المنخفض حتى تصحح أوضاعها، بما يعزز الانضباط المالي ويحد من التعاقدات العشوائية.
- إشراك الأندية في إعداد اللوائح والاستراتيجيات، فبناء منظومة مستدامة يتطلب وجود الأندية على طاولة النقاش لضمان لوائح واقعية قابلة للتطبيق.
- تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الدعم الحكومي، من خلال تطوير الأكاديميات، وتحسين تجربة يوم المباراة، وتفعيل الرعايات، وإنشاء متاجر ومنتجات رسمية، والاستثمار في الفئات السنية وبيع المواهب.
- تحويل الدعم الحكومي إلى دعم مشروط بالأداء المالي والإداري، بحيث يرتبط الدعم بخفض الديون وزيادة الدخل الذاتي وتطوير المواهب وتحسين الحوكمة، مما يخلق بيئة تنافسية صحية.
- إنشاء مركز خدمات مشترك للأندية يجمع الخدمات المحاسبية والقانونية والتسويقية في مركز واحد يخدم عدة أندية، مما يخفض التكاليف التشغيلية ويرفع الكفاءة.
- مراجعة شاملة لنظام الضبط المالي وتحويله من أداة رقابية بعد وقوع المشكلة إلى أداة وقائية قبل حدوثها، عبر المتابعة الشهرية والخطط المالية المعتمدة وتقييم مخاطر التعاقدات مسبقاً.
وفي الخلاصة، فإن الحل يبدأ من إعادة تصميم المنظومة المالية بالكامل، بحيث تصبح الأندية قادرة على التخطيط، وتتحمل فقط ما تستطيع دفعه، وتشارك في صناعة اللوائح التي تحكم عملها.
بقــلم : البرفسور عبدالعزيز المصطفى






