كتّاب الرأي

بين نموذج قطر والإمارات.. هل تصنع النتائج أجيالاً في كرة اليد؟

كتب – خالد ملحم

أحيانًا لا تكشف البطولات فقط عن مستوى المنتخبات داخل الملعب، بل تكشف أيضًا عن اختلاف فلسفات الاتحادات في بناء المستقبل، وكيف يمكن لاتحاد أن يخطط لجيل واحد، بينما يضع اتحاد آخر مشروعًا يمتد لسنوات ويهدف إلى صناعة أكثر من جيل.

وهنا تحديدًا استوقفتني تجربتان في كرة اليد الآسيوية؛ تجربة الاتحاد القطري، وتجربة الاتحاد الإماراتي. والمقارنة هنا ليست بهدف التقليل من أحد أو الانتقاص من إنجاز أحد، وإنما محاولة لقراءة ما وراء النتائج، والنظر إلى السؤال الأهم: ماذا سيحدث بعد انتهاء هذا الجيل؟

عندما شارك المنتخب القطري في بطولة آسيا للشباب بفئة عمرية أصغر من الفئة المعتمدة، انتقدنا الخطوة في البداية، وكنت شخصيًا من الذين تساءلوا عن جدوى خوض بطولة بهذا الحجم بلاعبين أصغر سنًا، في مواجهة لاعبين أكبر منهم وأكثر خبرة.

لكن اليوم، ومع متابعة بطولة آسيا للناشئين المقامة حاليًا في الأردن، تبدو الصورة مختلفة تمامًا.

فقد اتضح أن المشاركة لم تكن خطوة عابرة، بل جزءًا من تفكير أبعد، قطر أرادت أولًا أن تمنح لاعبيها احتكاكًا مع لاعبين أكبر منهم سنًا، وثانيًا أن تزيد عدد مبارياتهم الدولية، وثالثًا أن تجهزهم للمرحلة التالية، بينما كان الهدف الأبعد هو بناء جيل يستمر معه العمل حتى يصل إلى المنتخب الأول.

وهنا أقولها بصراحة: الفكرة نجحت في إقناعي، لأن البناء الحقيقي في المنتخبات لا يكون بمنتخب واحد، وإنما بمنظومة تبدأ من الناشئين وتصعد تدريجيًا حتى المنتخب الأول، بحيث تكون كل مرحلة امتدادًا للمرحلة التي سبقتها.

في المقابل، ماذا فعل الاتحاد الإماراتي؟، بكل أمانة، نجح نجاحًا لافتًا في بناء منتخب شباب أقنعنا بمستواه، وحقق وصافة آسيا، وقدم جيلًا أرى أنه قادر على أن يشكل مستقبل المنتخب الإماراتي للرجال.

وهذا الإنجاز لا يمكن تجاهله أو التقليل منه، بل يستحق الإشادة، لكن، ومن وجهة نظري الشخصية، هناك حلقة مفقودة.

منتخب الشباب الذي حقق وصافة آسيا سيكون بعد فترة قصيرة هو المنتخب الأول، وهذا يعني أن العمل الحالي لديه جيل واضح سيحمل الراية، لكن السؤال الذي يقلقني هو: من سيأتي بعد هذا الجيل؟

وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأهم، غياب المنتخب الإماراتي عن بطولة آسيا للناشئين الحالية في الأردن، من وجهة نظري، لم يكن قرارًا موفقًا من ناحية بناء المستقبل.

ليس لأنني أطالب الإمارات بتحقيق البطولة، ولا لأن المشاركة تعني بالضرورة الفوز أو التأهل، بل لأن المشاركة نفسها جزء من عملية البناء.

حتى لو لم يحقق المنتخب النتائج المرجوة، وحتى لو خرج مبكرًا، كانت البطولة ستمنح الجهاز الفني فرصة لاكتشاف لاعبين جدد، ومنحهم الخبرة الدولية، وربما ظهور لاعب أو أكثر قادرين على مواصلة ما بدأه منتخب الشباب في بطولة آسيا بالصين.

فالمنتخبات لا تبنى بالنتائج فقط، أحيانًا تخسر مباراة، لكنك تكسب لاعبًا، وقد تخسر بطولة، لكنك تكتشف جيلًا، وقد لا تتأهل، لكنك تضع أول لبنة في منتخب سيظهر بعد سنوات.

ولهذا أرى أن المشاركة في البطولات العمرية ليست مجرد التزام بالروزنامة، وإنما استثمار في المستقبل.

وهنا تبرز تجارب خليجية تستحق التوقف عندها، كرة اليد البحرينية والسعودية والكويتية مختلفة في فلسفتها، فهي تعتمد بصورة أساسية على بناء متواصل أساسه اللاعب المحلي، ولذلك نجد منتخباتها حاضرة باستمرار في المحافل الكبرى، لأن عملية إنتاج اللاعبين لا تتوقف عند جيل معين.

في البحرين والسعودية والكويت، تجد اللاعب يمر بمراحل عمرية متتابعة، من الناشئين إلى الشباب ثم المنتخب الأول، ومع كل مرحلة تتشكل خبرة جديدة، ويظهر لاعبون قادرون على تعويض من سبقهم.

وهذا لا يعني أن النتائج تكون دائمًا مضمونة، ولا يعني أن كل جيل سيكون أفضل من سابقه، لكن الفكرة الأهم أن خط الإنتاج لا يتوقف.

قد يتراجع منتخب في بطولة، وقد يخسر لقبًا، وقد يمر بمرحلة إعادة بناء، لكنه يبقى حاضرًا، لأن القاعدة موجودة، ولأن هناك لاعبين ينتظرون دورهم.

وهذه ربما هي النقطة التي يجب أن تنتبه إليها بقية الاتحادات، لا يكفي أن يكون لديك منتخب شباب قوي اليوم، بل يجب أن يكون لديك منتخب ناشئين قوي غدًا، ومجموعة أخرى تحت السن تنتظر فرصتها بعد غد.

وهنا أستخدم تشبيهًا ربما يكون قاسيًا بعض الشيء، لكنه يختصر وجهة نظري.

ما قدمه الاتحاد الإماراتي يشبه من بدأ بناء بيت من منتصفه؛ أقام الجدران، وارتفع بالبناء، وأكمل طوابقه بصورة جميلة، ونجح في تقديم بيت لافت ومقنع.

لكن البيت القوي لا يبدأ من منتصفه، وإذا لم تكن هناك قاعدة قوية تحمل ما فوقها، فإن البناء، مهما كان جميلًا، يبقى معرضًا للاهتزاز عندما يتغير الزمن وتتبدل الأجيال.

بينما قطر، في تقديري، حاولت أن تبدأ من الأساس: ناشئون، ثم شباب، ثم منتخب أول، قد يكون الطريق أطول، وقد لا تأتي النتائج سريعًا، وقد يحتاج المشروع إلى صبر، لكنك في النهاية تبني قاعدة تستطيع أن تحمل أكثر من جيل.

وتجارب البحرين والسعودية والكويت تؤكد أن الاستمرارية في العمل مع اللاعب المحلي تمنح المنتخب فرصة لأن يكون حاضرًا بصورة دائمة في البطولات الكبرى، حتى مع اختلاف مستوى كل جيل عن الآخر.

وهنا أعتقد أن الدرس الأهم ليس لقطر أو الإمارات فقط، وإنما لكل الاتحادات التي تريد أن تبني منتخباتها، لا تبنِ منتخبًا، ابنِ طريقًا يصل باللاعب من الناشئين إلى المنتخب الأول.

كل فئة يجب أن تكمل عمل الفئة التي سبقتها، وكل جيل يجب أن يسلم الراية للجيل الذي يليه، ويجب أن تكون المنتخبات حاضرة في البطولات باستمرار، لأن غيابك عن بطولة عمرية لا يعني فقط أنك لم تلعب تلك البطولة، بل يعني أنك فقدت فرصة لاكتشاف لاعبين وصقلهم ومنحهم الخبرة.

منتخب الإمارات للشباب نجح، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن نجاح هذا المنتخب يجب ألا يكون نهاية المشروع، بل يجب أن يكون بداية مشروع أكبر.

لأن السؤال الحقيقي ليس: ماذا سيفعل منتخب الشباب الإماراتي عندما يصبح منتخبًا أول؟

من سيكون منتخب الإمارات بعد هذا الجيل؟
هنا تظهر قيمة الاستمرارية، وهنا أيضًا يتحدد الفرق بين مشروع يبني فريقًا، ومشروع يبني أجيالًا.

وفي النهاية، أؤمن أن المنتخب الذي يبدأ من القاعدة قد يحتاج إلى وقت أطول حتى يصل إلى القمة، لكنه عندما يصل يكون أكثر قدرة على البقاء.

أما من يبدأ من المنتصف، فقد يصل سريعًا ويحقق نتائج لافتة، لكن استمرار النجاح يحتاج دائمًا إلى أساس، فالبيت قد يكون جميلًا من الخارج، لكن قيمته الحقيقية في قواعده، وفي كرة اليد، كما في كل لعبة جماعية، لا يكفي أن تبني منتخبًا واحدًا ناجحًا، المطلوب أن تبني منتخبًا يخلف منتخبًا، وجيلًا يسلم الراية لجيل، ومنظومة لا تتوقف عندما تنتهي بطولة أو يعتزل جيل.
وهذه، في رأيي، هي فلسفة البناء التي تصنع المستقبل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com