المدرب الوطني… شريك أصيل في استراتيجية اتحاد كرة اليد

تشهد كرة اليد السعودية تحولات جوهرية أعادت تشكيل بنية اللعبة ورسّخت توجهًا نحو بناء منظومة أكثر اتساقًا واستدامة. فقد اتسعت قاعدة الممارسين أفقيًا داخل الأندية، فيما تعزّز حضور المدرب الوطني عموديًا عبر الفئات السنية وصولًا إلى الفريق الأول، في مؤشر يعكس نضجًا متدرجًا في البنية الفنية المحلية.
وتُظهر البيانات وجود قرابة 88 مدربًا وطنيًا (فئة B C D) يعمل منهم ما بين 20 إلى 25 مدربًا ممارسًا؛ وهي طاقة بشرية يمكن تحويلها إلى قيمة فنية مضافة إذا ما أُحسن استثمارها. كما برزت أسماء وطنية تمتلك خبرات نوعية مثل: علي العليوات، وجعفر أبو الرحي، وفرج السماعيل، وفاضل آل سعيد، ومنعم هلال، وحسين الخضراوي وغيرهم، وهي كوادر قادرة على تشكيل قاعدة تدريبية تخدم احتياجات الأندية كافة، شريطة أن تتعامل الإدارات معها بوصفها شريكًا في صناعة النجاح لا مجرد خيار مؤقت.
ورغم حضور المدرب الوطني ورغبته الجادة في تقديم عمل مهني، يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك إدارات الأندية الاستعداد لتبنّي مشروع تدريبي طويل المدى يقوده مدرب محلي؟ فالتغييرات السريعة وقرارات الإقالة تُجهض كل مشروع واعد وتحدّ من فرص بناء منظومة فنية مستقرة.
في المقابل، تظهر إشارات إيجابية تعزز هذا التحول، أبرزها استعانة الاتحاد السعودي لكرة اليد بخبرات نوعية مثل الدكتور خالد الشرجي الذي يمثّل إضافة مهمة في التطوير الفني والبحث العلمي، بوصفه مشروعًا استراتيجيًا يُعوَّل عليه في رفع كفاءة المنظومة. كما أن إشراك المدرب الوطني في المنتخبات السنية بات جزءًا من رؤية تهدف إلى بناء قاعدة تدريبية أكثر نضجًا، وهو توجه يرفع جودة العمل الفني ويمنح المدرب الوطني بيئة احترافية تساعده على النجاح، ليصبح عنصرًا ثابتًا في منظومة اللعبة وصانعًا مباشرًا لهويتها ومستقبلها.
إن نجاح المدرب الوطني لا يُبنى على جهده الفردي وحده، بل هو انعكاس مباشر لنضج المنظومة الرياضية التي تحيط به وتدعمه. فعندما توفر الأندية بيئة عمل مستقرة، ويعتمد الإعلام خطابًا مهنيًا يعزز الثقة، ويضع الاتحاد برامج تطوير واضحة وحماية مؤسسية تضمن استقرار القرار الفني، وتمنح الجماهير دعمًا واعيًا يخفف الضغوط، ويُظهر اللاعبون التزامًا فنيًا وروحًا جماعية؛ عندها يصبح المدرب الوطني قادرًا على تقديم عمل نوعي ينسجم مع تطلعات الرياضة الحالية. تكامل هذه الأدوار يمثّل معيارًا حقيقيًا لنضج تجربة اتحاد اللعبة، ويحوّل نجاح المدرب الوطني إلى مشروع مستدام يقوم على رؤية مشتركة ومسؤولية جماعية.
وخلاصة، تتطلّب المرحلة الحالية من المدربين الوطنيين تبنّي نهج مهني قائم على التطوير الذاتي المستمر، بوصفه عنصرًا أساسيًا لرفع جودة العمل الفني والإداري. ويشمل ذلك تحديث أدوات التحليل، وتعزيز مهارات إدارة اللاعبين، وتحسين أساليب التواصل الإعلامي. إن الالتزام بهذه الجوانب يساهم في تعزيز جاهزية المدرب، ويزيد من قدرته على تقديم قيمة فعلية داخل منظومة اللعبة، ويجعل حضوره مبنيًا على كفاءة واضحة لا على اعتبارات ظرفية.
بروفسور عبد العزيز المصطفى





