الإمارات تصنع المستقبل في لعبة اليد

كتب – جاسم الفردان
في كرة اليد الحديثة، لا تُصنع الإنجازات بالصدفة، بل عبر مشاريع واضحة تجمع بين التخطيط الإداري، العمل الفني، وصناعة الأجيال، ومن بين التجارب التي بدأت تلفت الأنظار في القارة الآسيوية، تبرز التجربة الإماراتية التي تسير بخطوات مدروسة نحو بناء منتخب قادر على المنافسة بقوة خلال السنوات المقبلة.
ما يقدمه الاتحاد الإماراتي لكرة اليد لا يمكن اختزاله في نتيجة أو بطولة، بل هو جزء من رؤية تهدف إلى تطوير المنتخبات الوطنية، خصوصاً في الفئات السنية، وتعزيز الصفوف بعناصر قادرة على تقديم الإضافة الفنية ورفع مستوى المنافسة.
ويأتي هنا الحديث عن ملف تجنيس اللاعبين، وهو ملف ليس جديداً في كرة اليد العالمية، كما أنه ليس حكراً على تجربة معينة. فقد لجأت العديد من المنتخبات إلى هذا الخيار ضمن مشاريع تطويرية هدفت إلى تعزيز قدراتها التنافسية، سواء في المنطقة الخليجية أو على المستوى الأوروبي.
وفي الخليج، تعد تجربة المنتخب القطري النموذج الأبرز، بعدما اعتمد على استقطاب لاعبين من أصول مختلفة ضمن مشروع طموح لبناء منتخب قادر على منافسة كبار القارة والعالم، وهو ما أثمر عن إنجازات تاريخية أبرزها الوصول إلى نهائي بطولة العالم 2015 وتحقيق حضور عالمي لافت.
أما في أوروبا، فقد استفادت عدة منتخبات من هذا الملف في فترات مختلفة، مستفيدة من قوانين الاتحاد الدولي لكرة اليد المتعلقة بتغيير جنسية اللاعبين، حيث شكل بعض اللاعبين المجنسين إضافة فنية ساعدت منتخباتهم الجديدة على رفع مستوى المنافسة وتحقيق نتائج متقدمة. فالفكرة لم تكن مجرد استقدام أسماء، بل دمج عناصر ذات جودة عالية داخل منظومة فنية وإدارية متكاملة.
والتجارب الناجحة حول العالم تؤكد أن التجنيس بحد ذاته ليس ضماناً للنجاح، بل هو أداة تحتاج إلى رؤية واضحة وحسن اختيار، بحيث يكون اللاعب المجنس إضافة للمشروع وليس بديلاً عن تطوير المواهب المحلية.
ومن هنا، فإن ما يقوم به الاتحاد الإماراتي لكرة اليد يجب أن يُقرأ ضمن هذا الإطار؛ كجزء من محاولة بناء منتخب أكثر قدرة على المنافسة، شرط أن يترافق ذلك مع استمرار الاستثمار في الفئات السنية وصناعة اللاعب الإماراتي، لأن قوة أي منتخب في النهاية تُقاس بقدرته على بناء منظومة متكاملة ومستدامة.
لكن نجاح أي تجربة تجنيس لا يرتبط بمجرد إضافة أسماء جديدة، بل بطريقة إدارة هذا الملف ومدى اندماجه داخل منظومة متكاملة، فالمنتخبات الناجحة لم تجعل اللاعب المجنس بديلاً عن تطوير اللاعب المحلي، بل استخدمته كعامل مساعد ضمن مشروع يشمل تطوير الفئات السنية، تحسين جودة الإعداد، وخلق بيئة تنافسية ترفع من مستوى جميع اللاعبين.
وهنا يحسب للاتحاد الإماراتي لكرة اليد تعامله مع الملف بعقلية فنية، من خلال البحث عن عناصر نوعية يمكنها صناعة الفارق، وليس مجرد استكمال قائمة المنتخب، فالهدف الحقيقي هو بناء فريق يمتلك شخصية وقدرة على المنافسة، وهو ما ظهر في البطولة الآسيوية للشباب أمام المنتخب الياباني، عندما قدم المنتخب الإماراتي أداءً يعكس الثقة والتنظيم والقدرة على مجاراة أحد أقوى منتخبات القارة.
ومع ذلك، فإن النجاح الحقيقي لأي مشروع لا يقاس فقط بالنتائج السريعة، بل بقدرته على الاستمرار وصناعة أجيال متعاقبة، فالتجارب الكبرى في كرة اليد العالمية أثبتت أن العناصر المجنسة يمكن أن تكون إضافة مهمة عندما تكون جزءاً من منظومة متكاملة، لكنها لا تغني أبداً عن بناء قاعدة محلية قوية.
الإمارات اليوم تخطو في طريق صناعة قوة جديدة لكرة اليد، وإذا استمر العمل بنفس الرؤية والنهج، فإن المنتخب الإماراتي قد يصبح خلال السنوات المقبلة أحد المنافسين القادرين على تغيير شكل المنافسة في القارة الآسيوية.
فالنجاح لا تصنعه الأسماء وحدها، بل تصنعه الرؤية التي تجمع بين التخطيط، حسن الاختيار، وتكوين مشروع قادر على الاستمرار.






