يقولون

حين تحرس الروح المرمى – قبل أن يفعل الحارس

كتب – جاسم الفردان
في بعض المباريات، تسقط كل القوالب التقليدية للتحليل. لا يعود السؤال من الأفضل فنياً، ولا من استحق النتيجة، ولا حتى من كان الأقرب للفوز. بل يصبح السؤال أبسط… وأكثر قسوة: من كان أكثر صموداً؟ من كان أكثر تماسكاً عندما انكسرت الظروف حوله؟

ما حدث في مواجهة الكويت وكاظمة ضمن منافسات الدوري الكويتي الممتاز، لم يكن مجرد مباراة كرة يد عادية. كان اختباراً حقيقياً لفكرة الهوية داخل الملعب… عندما تختفي الأدوات المعتادة، ويصبح الاعتماد على ما هو أعمق من التكتيك: العقلية.

الصورة الأكثر بلاغة لم تكن هدفاً جميلاً، ولا تصدياً حاسماً.
بل مشهد عبدالله الخميس وهو يتحول من صانع لعب إلى حارس مرمى، واقفاً حرفياً أمام المرمى، لا كحارس تقليدي يملك أدوات المركز كاملة، بل كحالة اضطرار قصوى فرضتها ظروف المباراة.

ظاهرياً، كان المشهد يشبه مرمى دون حراسة بالمعنى الكلاسيكي.
لكن عملياً، كان المرمى محروساً بفريق كامل يقف أمامه بعقل جماعي.

الخميس لم يكن مطالباً بأن يصنع المعجزات.
كان مطالباً فقط بأن يبقى ثابتاً.
والباقي تكفّل به الفريق.

وهنا ظهرت بصمة سعيد حجازي بأوضح صورها.
لم يبحث عن الحل المثالي… بل عن الحل الممكن.
لم يحاول أن يربح المباراة في تلك اللحظات، بل حاول ألا يخسرها.

الفكرة داخل الملعب كانت واضحة حد القسوة التكتيكية:
لا تسمح لكاظمة أن يلعب كما يريد، بل أجبره أن يلعب كما تسمح له الظروف.

منع التسديد الخارجي لم يكن تفصيلاً دفاعياً عادياً، بل كان محور الخطة.
إجبار كاظمة على التمرير العرضي كان محاولة واعية لكسر سرعة الهجمة.
إغلاق خط التمرير نحو لاعب الدائرة كان حماية مباشرة لقلب الدفاع.
تقليل تأثير الأجنحة كان وسيلة لإجبار الخصم على اللعب من زوايا أقل خطورة.

هذا النوع من الدفاع لا يعتمد فقط على القوة البدنية…
بل على قراءة الفكرة الهجومية قبل أن تتحول إلى فرصة حقيقية.

نعم… كاظمة سجل أهدافه.
وهذا أمر طبيعي أمام فريق يملك جودة هجومية عالية.
لكن ما كان غير طبيعي هو أن الكويت ظل أسرع في التسجيل، وأسرع في العودة للمباراة، وأسرع في استعادة الأسبقية.

وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين فريق يطارد المباراة…
وفريق يدير المباراة نفسياً حتى وهو تحت الضغط.

الأهم من كل ذلك، الروح.

ربما لم نشاهد الكويت كثيراً بهذه النسخة.
نسخة لا تبحث عن الشكل الجميل للأداء.
ولا عن السيطرة الكاملة.
بل تبحث أولاً عن الصمود، ثم عن الضربة في التوقيت المناسب.

الروح هنا لم تكن بديلاً عن الجودة الفنية.
بل كانت جسراً حافظ على بقاء الجودة داخل المباراة رغم الظروف.

هذه المباراة كشفت شيئاً مهماً جداً عن شخصية الفرق الكبيرة.
الفرق الكبيرة لا تُقاس عندما تكون كاملة الصفوف، وتلعب بأفضل ظروفها، وتفرض أسلوبها بسهولة.
الفرق الكبيرة تُقاس عندما تُجبر على اللعب وهي ناقصة، عندما تُسحب منها أدواتها الأساسية، ثم تُطلب منها الاستمرار.
وفي تلك الدقائق، لم يكن السؤال من سيفوز.
بل من سيبقى واقفاً حتى النهاية.
وفي تلك الليلة.
لم يكن الكويت كاملاً.
لكنه كان صلباً بما يكفي،ليبقى واقفاً بعقلية كاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com