الوجه الآخر للرياضة الذكية

الملكية الرقمية في عصر المراهنات والتتبع
يدخل اللاعب إلى الملعب وهو يظن أن جسده ملكه وحده. لكن تحت قميصه، قد يرتدي جهازًا يعرف عن هذا الجسد أكثر مما يعرفه الجمهور… وربما أكثر مما يختار اللاعب نفسه أن يكشفه.
في الرياضة الحديثة، لم تعد أجهزة التتبع مجرد أدوات لتحسين الأداء. فهي تقيس نبض القلب، والتسارع، والحمل البدني، ومؤشرات الإجهاد، وتحوّل لحظات الحركة والتعب والاصطدام إلى بيانات تقرؤها الخوارزميات لحظة بلحظة.
لا شك أن هذه التقنية قد تحمي اللاعب؛ إذ تساعد في الوقاية من الإصابات، وضبط الأحمال التدريبية، وتحسين قرارات الراحة والاستشفاء. لكن الوجه الآخر يطرح سؤالًا أكثر حساسية:
من يملك ما يقوله جسد اللاعب؟
هل هي معلومات تخص اللاعب وحده، أم النادي، أم الاتحاد، أم الشركة التي تجمعها وتحللها؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ وكم تبقى محفوظة؟ وهل يمكن استخدامها في غير الغرض الذي جُمعت من أجله؟
قد تتحول معلومة عن إجهاد لاعب أو حالته البدنية إلى عامل مؤثر في عقده، أو قيمته السوقية، أو فرص مشاركته. وقد تكتسب كذلك قيمة تجارية في أسواق المراهنات اللحظية، حيث تُدار الرهانات على تفاصيل دقيقة من الأداء خلال ثوانٍ معدودة. هنا لم تعد المسألة تقنية فحسب، بل قضية حقوق وحوكمة ونزاهة.
والأخطر أن الموافقة قد لا تكون حرة تمامًا عندما يشعر اللاعب أن رفض ارتداء الجهاز أو مشاركة بياناته قد يؤثر في مكانه داخل الفريق أو مستقبله المهني. فالموافقة التي تُطلب في ظل علاقة قوة غير متكافئة قد تكون شكلية أكثر منها حماية حقيقية.
وليست المخاوف نظرية. ففي دوري NBA، تكون أجهزة التتبع طوعية في التدريبات، ويجب شرح ما تُقاسه وكيف تُستخدم بياناته. كما يحظر استخدام هذه البيانات في المفاوضات التعاقدية أو صفقات الانتقال، ويقتصر استخدامها على الصحة والأداء والتكتيك، مع غرامة تصل إلى 250 ألف دولار للمخالف.
إنه مثال يكشف أن حماية اللاعب ممكنة، لكنها لا تتحقق تلقائيًا مع التكنولوجيا؛ بل تُبنى عبر قواعد واضحة، وموافقة حقيقية، وضمانات قانونية ونقابية.
لذلك، لا نحتاج إلى رياضة تخاف من التكنولوجيا، بل إلى رياضة تعرف كيف تحكمها: شفافية كاملة في جمع البيانات، وموافقة مستنيرة مكتوبة بلغة واضحة، وحق أصيل للاعب في الاطلاع على بياناته والتحكم في استخدامها، مع تحديد من يراها، ولماذا، ومدة الاحتفاظ بها، وحماية صارمة من التسريب والاستغلال التجاري.
فالبيانات الفسيولوجية ليست أرقامًا محايدة؛ إنها امتداد رقمي لجسد الإنسان، ولذلك ينبغي أن تُعامل بمعايير الخصوصية والكرامة والموافقة، لا بمعايير الأصول التجارية وحدها.
والتقدم الحقيقي في الرياضة لا يُقاس بقدرة التكنولوجيا على معرفة كل شيء عن اللاعب، بل بقدرة المؤسسات على معرفة أين يجب أن تتوقف.
ففي عصر الرياضة الذكية، لم يعد السؤال: ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تعرف عن جسد اللاعب؟
بل أصبح السؤال الأهم:
هل يظل للاعب الحق في أن يقرر ماذا يُعرف عنه؟
بقلم: د. ليندا توفيق






