نبيل طه – كرة اليد البحرينية بخير

كتب – جاسم الفردان
حين يتحدث «الجنرال» والدكتور نبيل طه عن كرة اليد البحرينية، فإننا أمام رجل لا يتحدث عنها من بعيد، بل من داخل الحكاية. أحد نجوم مرحلة التأسيس، ومن الذين عاشوا البدايات وتدرجوا مع اللعبة في مراحلها المختلفة، ثم ظلوا قريبين من تفاصيلها ومعارفها وتطورها.
لذلك لم يكن ظهوره في برنامج «خارج السرب» مع محمد درويش مجرد حديث عن كرة اليد، بقدر ما كان عودة إلى أصل الحكاية، إلى السؤال الذي يهمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، كيف وصلت كرة اليد البحرينية إلى ما وصلت إليه؟
نبيل طه لم يبحث عن إجابة سريعة، ولم يختصر النجاح في لاعب أو مدرب أو بطولة، بل أخذنا إلى الطريق الطويل، إلى التخصص والصبر والتجربة والخطأ والتطوير والانضباط، وهي مفردات قد تبدو بسيطة، لكنها في الرياضة تصنع الفارق، فلا منتخب قوي يظهر فجأة، ولا لعبة تصل إلى القمة من موسم واحد، وإنما هناك سنوات من العمل، وتجارب تنجح وأخرى لا تنجح، وأخطاء تتحول إلى دروس، ثم يأتي التطوير ليحول هذه التجارب إلى معرفة.
وهنا بالضبط تكمن خصوصية كرة اليد البحرينية، فالمنتخب الذي نراه اليوم لم يبدأ عندما دخل اللاعبون أول معسكر، ولم تبدأ قصته عند أول بطولة آسيوية، بل بدأ قبل ذلك بسنوات داخل الأندية والمدارس والقرى، وفي بيئة أصبحت فيها كرة اليد جزءاً من الحياة الرياضية والاجتماعية، وحين استعاد نبيل طه أسماء باربار وتوبلي وكرزكان والدير، لم يكن يستعرض مناطق ارتبطت باللعبة فقط، وإنما كان يشرح واحدة من أهم أسرار التجربة البحرينية، كرة اليد لم تكن لعبة منتخبات، بل كانت لعبة مجتمع.
ومن هذا المجتمع خرجت الأندية، ومنها خرج اللاعب، وفيها تراكمت الخبرة، كل نادٍ يريد أن يفوز على الآخر، وكل فريق يبحث عن مكانه وبطولته، لكن المنافسة التي تجمعهم داخل الملعب كانت تنتج في النهاية مخرجات تخدم كرة اليد البحرينية كلها، اللاعب الذي يتطور في ناديه يصبح بعد سنوات جزءاً من المنتخب، والمدرب الذي يصنع لاعباً في ناديه يساهم بطريقة أو بأخرى في صناعة لاعب للمنتخب.
وهكذا، ورغم أن الأندية متنافسة، فإن مخرجاتها تلتقي في مكان واحد، المنتخب الوطني.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في حديث نبيل طه هو المدرب البحريني. عندما يشير إلى أن نسبة المدربين المواطنين في الأندية تصل إلى نحو 90 بالمئة، فهو لا يقدم رقماً عابراً، وإنما يضع يده على أحد مفاتيح المنظومة.
فالمعرفة لم تكن تأتي من الخارج فقط، بل تراكمت داخل اللعبة، وانتقلت من جيل إلى آخر، المدرب البحريني يعرف اللاعب وبيئته، ويعرف النادي وطبيعة المنافسة، ويحمل معه تجربة سنوات طويلة، وهذه الخبرة أصبحت جزءاً من شخصية كرة اليد البحرينية.
ولهذا يصعب أن نفصل إنجاز 2026 عن كل ما سبقه، عندما أصبحت البحرين بطلة لآسيا في يناير، ثم عادت في سبتمبر لتتوج بذهبية كرة اليد في دورة الألعاب الآسيوية «آيتشي–ناغويا» للمرة الأولى في تاريخها بعد الفوز على قطر، لم يكن ذلك مجرد عام استثنائي مرّ على المنتخب، بل كان عاماً ظهرت فيه حصيلة سنوات طويلة من البناء.
فاللاعبون الذين حملوا الكأس واحتفلوا بالذهب هم أصحاب اللحظة، لكنهم ليسوا أصحاب الحكاية كلها، وراء كل لاعب منهم لاعب سبق أن ارتدى القميص، ومدرب ترك معرفة، ونادٍ صنع تجربة، ومدرسة فتحت الباب، وقرية احتضنت اللعبة، وجيل كامل آمن بأن كرة اليد يمكن أن تكون طريقاً للتميز، هكذا تصنع الرياضة تاريخها، جيل يضع الأساس، وجيل يبني فوقه، وجيل يأتي ليقطف الثمرة، ثم يسلمها إلى الجيل الذي يليه.
ومن هنا يصبح ذهب 2026 أكبر من ميداليتين ذهبيتين في عام واحد، إنه لحظة اجتمعت فيها أجيال لم تكن موجودة معاً في الملعب، لكنها كانت حاضرة في صناعة المشهد، الجيل الذي بدأ اللعبة، والجيل الذي طورها، والجيل الذي تحمل سنوات المنافسة، والجيل الذي وصل بها إلى القمة الآسيوية، كل واحد منها ترك شيئاً للذي جاء بعده، حتى وصلنا إلى لاعب 2026 الذي وجد أمامه طريقاً ممهداً بخبرات السابقين.
وهنا أجد أن أهم ما قاله نبيل طه هو أن «الوصول ممكن، لكن المحافظة هي الصعبة». جملة تختصر الكثير، لأن الوصول إلى القمة قد يكون ثمرة جيل مميز، أما المحافظة على المكانة فتحتاج إلى منظومة لا تتوقف عندما تتغير الأسماء، تحتاج إلى أندية تستمر في صناعة اللاعبين، ومدربين بحرينيين يواصلون التطور، وقاعدة ناشئين لا تنقطع، ومدارس تبقى قريبة من الأندية، ومنافسة محلية ترفع مستوى اللاعب وتجعله أكثر استعداداً للمنتخب.
والأهم أن الجيل الحالي لا يرث البطولات فقط، وإنما يرث مسؤولية الاستمرار في الحكاية، كما تسلم لاعب 2026 ما بناه الذين سبقوه، فإن عليه أن يترك للجيل القادم شيئاً أفضل مما تسلمه، فالذهب لا ينبغي أن يكون نهاية القصة، بل يجب أن يتحول إلى بداية جديدة لجيل آخر يرى في هذا الإنجاز سقفاً يريد تجاوزه، لا بيتاً يريد أن يسكن فيه.
وهذا هو المعنى الأعمق لعبارة «المحافظة هي الأصعب». المحافظة ليست فقط أن تفوز بالبطولة التالية، وإنما أن تحافظ على الأسباب التي جعلت الفوز ممكناً، أن تبقى الأندية منتجة، والمدرب البحريني حاضراً ومتطوراً، والناشئ يجد طريقه، والمنافسة المحلية قوية، والمجتمع قريباً من اللعبة، عندها فقط يصبح الإنجاز قابلاً للتكرار، لا مجرد ذكرى جميلة.
وهنا لا بد من العودة إلى كلام «الجنرال». فهو لا يرى المنتخب منفصلاً عن النادي، ولا اللاعب منفصلاً عن المدرب، ولا اللعبة منفصلة عن المجتمع، يرى بناءً مترابطاً، يبدأ من القاعدة وينتهي بالمنتخب، وكل حلقة فيه تؤثر في الأخرى، ولذلك فإن الحفاظ على قوة كرة اليد لا يكون فقط بإعداد المنتخب للبطولات، وإنما بالحفاظ على كل ما يصنع المنتخب قبل أن يصل إلى المعسكر.
نعم، كرة اليد البحرينية بخير، وهذه ليست جملة عاطفية يقولها أحد رموز اللعبة لمجرد التفاؤل، هناك ما يدعمها على أرض الواقع، من قاعدة اجتماعية راسخة، إلى أندية عرفت كيف تنافس وتنتج، إلى مدرب بحريني راكم الخبرة، وصولاً إلى منتخب استطاع في 2026 أن يجمع بين ذهب بطولة آسيا وذهب الألعاب الآسيوية، وهذا الإنجاز الأخير، بما حمله من أسبقية تاريخية في الآسياد، يؤكد أن القصة لم تعد مرتبطة بلحظة واحدة، بل بمسار طويل وصل إلى واحدة من أهم محطاته.
لكن «بخير» لا تعني أن نطمئن ونتوقف، بل تعني أن لدينا أساساً قوياً يجب أن نحافظ عليه ونطوره. فالذهب لا يحمي البناء، وإنما البناء هو الذي يحمي فرص الذهب.
وهنا ربما تكون قيمة حديث نبيل طه الحقيقية، رجل من جيل التأسيس ينظر إلى ما وصلت إليه اللعبة اليوم، ولا يكتفي بالاحتفال بالنتيجة، بل يذكرنا بالطريق الذي أوصل إليها، تخصص وصبر وتجربة وانضباط، ثم أندية ومدربون ولاعبون، وبعد ذلك منتخبات وبطولات، هذه ليست قصة بطولة واحدة، بل قصة أجيال.
جيل بدأ، وجيل طور، وجيل وصل، وجيل سيحاول أن يحافظ ويضيف. وبين كل جيل وآخر تنتقل الكرة، لكن ما ينتقل معها ليس الكرة وحدها، بل المعرفة والخبرة والشغف والمسؤولية.
وإذا كانت الأجيال السابقة قد وضعت الأساس، فإن مسؤولية الجيل الحالي ليست أن يسكن في البيت الذي بناه الآخرون، وإنما أن يواصل البناء، فالوصول إلى القمة إنجاز، لكن المحافظة عليها عمل يومي، وصناعة جيل جديد قادر على حمل القصة أهم من الاحتفال بجيل انتهى دوره.





