كتّاب الرأي

صناعة اللاعب تبدأ بالمعرفة: رؤية جديدة لكرة اليد السعودية

كرة اليد السعودية تمتلك تاريخًا مليئًا بالشغف وتفوّق أجيال أثبتت أن الإرادة قادرة على تجاوز الصعاب، وهي اليوم أمام مرحلة تتجاوز الاجتهاد الفردي؛ فالتطوير المستدام لا يُبنى على الانطباعات، ولا ينبغي أن تبدأ كل إدارة من النقطة التي بدأت منها سابقتها. ما تحتاجه اللعبة اليوم هو قاعدة بيانات رقمية تشكّل ذاكرة متراكمة تحفظ ما تحقق، وتقيس ما يتغير، وتوضح الطريق إلى المستقبل.

ومعرفة موقع اللعبة تبدأ من معرفة اللاعبين أنفسهم. فالسؤال عن عدد اللاعبين في كل فئة عمرية، وأطوالهم وأوزانهم، وتطور قدراتهم البدنية والفسيولوجية ومهاراتهم الفنية، ليس سؤالًا ثانويًا، بل هو أساس صناعة اللاعب. ومن ينتقل فعليًا من مرحلة إلى أخرى؟ وكيف يتغير مستواه؟ فهذه المعلومات هي التي تسمح باكتشاف المواهب مبكرًا وتحديد من يمكن أن يشكّل مستقبل اللعبة.

ولا ينبغي أن تبقى الإحصاءات الفنية مجرد أرقام منفصلة. فعندما نسأل: كم هدفًا سجل الفريق؟ لا يكفي أن نعرف العدد أو توقيت التسجيل، بل يجب أن نعرف من سجل، ومن أي موقع، وكيف جاء الهدف، ومن صنع الفرصة، وما القدرات التي يمتلكها اللاعب الذي صنع الفارق، وهل يستطيع الحفاظ على هذا المستوى، وهل يتطور أداؤه من موسم إلى آخر. كما لا يمكن فصل ذلك عن الجهاز الفني المسؤول ودوره في تطوير هذه الجوانب. بهذه الطريقة تتحول المباراة من مجرد نتيجة في جدول إلى مصدر معرفة، وتتحول الأرقام من وصف لما حدث إلى أداة لفهم لماذا حدث، ويصبح الهدف جزءًا من صورة أكبر تربط بين اللاعب وقدراته وطريقة استخدامه وأدائه والنتيجة التي ساهم في تحقيقها.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى منظومة بيانات موحدة تربط الاتحاد بالأندية والمنتخبات والفئات السنية، منظومة تحفظ تاريخ اللاعب منذ بداياته، وتتابع تطوره البدني والفني، وتربط ذلك بمشاركاته وأدائه في المباريات. وعند مقارنة هذه البيانات بمعايير مرجعية مناسبة للفئة العمرية ومركز اللعب، يمكن معرفة أين يقف اللاعب، وما الذي يحتاج إلى تطويره، وهل يسير منحنى تطوره في الاتجاه الصحيح. ولا تقتصر أهمية هذه المقارنة على تقييم اللاعب الحالي، بل تساعد أيضًا في اكتشاف الفجوات بين مراحل تكوينه، ومعرفة أسباب تعثر بعض المواهب أو فقدانها أثناء انتقالها من فئة عمرية إلى أخرى، فكل مرحلة يجب أن تكون امتدادًا لما قبلها وأن تهيئ اللاعب لما بعدها.

لكن قيمة البيانات لا تنتهي عند القياس. فالمسار الحقيقي يبدأ حين تتحول البيانات إلى مؤشرات، والمؤشرات إلى تقييم، والتقييم إلى قرار، ثم تعود النتائج لتُقاس من جديد. عندها يصبح بالإمكان معرفة أثر البرامج التدريبية، وتقييم أداء الأجهزة الفنية، وتحديد جوانب التطوير، وقياس ما إذا كانت القرارات المتخذة تحقق الاهداف المرجوة.

وعند الوصول إلى هذه المرحلة، تنتقل كرة اليد السعودية من إدارة الرياضة بالنتيجة إلى إدارتها بالمعرفة؛ فلا تصبح نتيجة المنافسة نهاية القصة، ولا يصبح عدد الأهداف وحده معيارًا للحكم، بل يصبح كل لاعب، وكل مباراة، وكل موسم جزءًا من ذاكرة رياضية متراكمة تساعدنا على معرفة أين كنا، وأين نقف، وما الذي يتوجب علينا القيام به للوصول إلى حيث نتطلع.

فيصل أبو عبدالله 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com