من دوري الفئات تبدأ رحلة الاحتراف الحقيقي لكرة اليد

اليوم، ومع انطلاق دوريات الأشبال والناشئين والشباب، يمكن القول إن كرة اليد السعودية تعيش تحولًا نوعيًا طال انتظاره؛ تحولًا يشبه «نقطة الانطلاق» التي يبحث عنها كل رياضي يدرك معنى التطوير الحقيقي. فالمشهد لم يعد قائمًا على اجتهادات فردية أو محاولات متفرقة، بل أصبح مبنيًا على عمل مؤسسي منظم، وجدول منافسات ثابت، ومسار تدريبي يصنع اللاعب خطوة بعد خطوة حتى يصل إلى الاحتراف.
هذا التحول لا يقتصر على تحسين آليات اللعب، بل يمثل انتقالًا من العفوية إلى التخطيط، ومن العمل التقليدي إلى المنهجية الاحترافية. الجماهير اليوم ستشاهد لاعبًا يدخل الملعب بثقة أكبر، ويخرج منه بخبرة أعمق، لأن المنافسة أصبحت مستمرة، والاختبار متكرر، والبيئة جاهزة لصناعة لاعب يعرف كيف يفكر ويتصرف تحت ضغط المباريات.
وتؤكد الدراسات الحديثة في التدريب الرياضي أن اللاعب لا يُصنع داخل القاعات المغلقة فقط، بل في الاحتكاك الحقيقي، وفي تكرار المباريات، وفي الأخطاء التي يتعلم منها مباشرة. وهذا ما تقدمه الدوريات السنية اليوم: فرص نمو متواصلة، وتسريع لاكتساب المهارات، وبناء للجوانب البدنية والفكرية والتكتيكية بطريقة منظمة.
وقد أثبتت التجارب الأوروبية في الدنمارك وألمانيا وفرنسا وإسبانيا أن الطريق نحو العالمية يبدأ من قاعدة سنية قوية تربط المدارس بالأندية، وتكثّف عدد المباريات، وتوحد البرامج التدريبية. هذه الدول لم تصل للقمة بقرارات سريعة، بل ببناء طويل يبدأ من الأساس… تمامًا كما نبدأ اليوم.
ومع استمرارية البرنامج، لم يعد العمل في كرة اليد السعودية قائمًا على ردود فعل أو اجتهادات شخصية، بل أصبح جزءًا من خطة استراتيجية واضحة تُراجع دوريًا، ويطّلع عليها العاملون في اللعبة والإعلام والجماهير المهتمة بمسار التطوير. وجود دوريات سنية منتظمة ليس مجرد جدول مباريات، بل هو مسار عملي يوضح أين نقف، وإلى أين نتجه، وما هي المخرجات المنتظرة في كل موسم. هذه المتابعة المستمرة هي التي تجعل التطوير ملموسًا، وتحوّل الكلام إلى نتائج، وتضمن أن الاحتراف ليس شعارًا، بل خطوات تُقاس وتُتابَع وتُبنى عليها القرارات.
إن ما يحدث اليوم هو انتقال حقيقي من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن العشوائية إلى التخطيط، ومن الاجتهادات إلى المخرجات القابلة للقياس. هذه هي الطريق التي تقود إلى الاحتراف، وهذه هي القاعدة التي تبني مستقبل اللعبة، وتمنح الجماهير الثقة بأن كرة اليد السعودية تتجه إلى مرحلة مختلفة تمامًا.
فالبرنامج الحالي لاتحاد اليد يمثل خطوة جوهرية لبناء قاعدة قوية للفئات السنية، ولا يمكن أن ينجح إلا إذا استمر دون توقف. فأي تغيير أو إيقاف مفاجئ — لأسباب مالية أو تدريبية أو إعلامية أو تنظيمية — يعيد اللعبة إلى نقطة البداية ويهدم ما تم بناؤه. أما الاستمرارية، فهي التي تعزز ثقة الأندية وتشجعها على الاستثمار في المواهب، وتمنع حدوث فجوات في مسار التطوير، وتحافظ على الترابط بين الناشئين والشباب والفريق الأول.
بروفسور عبد العزيز المصطفى
إصدار للمؤلف
التطور النفسي الحركي والمعرفي في مرحلة الطفولة
بروفيسور عبد العزيز بن عبد الكريم المصطفى
متوفر لدى مرصد الخبراء — 40 ريالاً







