كتّاب الرأي

الخوف من الفوز ودوره الخفي في خسارة الخليج أمام برقان في الكويت

تبرز أهمية تحليل خسارة الخليج أمام برقان في الكويت، ليس فقط من زاوية فنية، بل من زاوية نفسية تبحث في دور الخوف من الفوز كعامل خفي قد يكون أسهم في تغيير مسار المباراة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم أن الخوف من الفوز ليس مجرد حالة فردية، بل سلوك يظهر بوضوح في أداء بعض الفرق داخل الملعب.

فهناك فرق تدخل المباراة بثقة كاملة، وأخرى تحمل خوفًا غير معلن، يظهر في كل تمريرة، وكل هجمة، وكل لحظة حاسمة. هذا الخوف ليس من الخسارة كما قد يُظن، بل من الفوز نفسه؛ وهو ظاهرة نفسية حقيقية، وإن كانت غير مرئية، إلا أن أثرها واضح على أداء بعض اللاعبين داخل الملعب.

فالخوف في جوهره استجابة بشرية طبيعية تهدف إلى الحماية، لكنه قد يتحول في الرياضة التنافسية إلى عائق يحد من الأداء. وفي كرة اليد تحديدًا، حيث تتطلب اللعبة سرعة في اتخاذ القرار وتركيزًا عاليًا وقدرة على المواجهة البدنية، يصبح أي تردد أو خوف عاملًا مباشرًا في انخفاض جودة الأداء. ويظهر هذا الخوف حين يصبح الخطأ أكثر تكلفة، والقرار أكثر حساسية.

وتقدّم بطولة دوري أبطال أوروبا لكرة اليد أمثلة واضحة على هذه الظاهرة. ففي إحدى البطولات، كان فريق فيزبريم المجري متقدمًا بفارق مريح في المباراة النهائية، لكنه انهار في الدقائق الأخيرة نتيجة التوتر الشديد، ليتحول تقدمه إلى خسارة صادمة. وقد وصف الخبراء ما حدث بأنه “شلل نفسي”، حيث فقد اللاعبون القدرة على اتخاذ القرار تحت ضغط اللحظة. وفي نسخة أخرى، واجه باريس سان جيرمان الموقف ذاته، إذ ظهر التردد على لاعبيه في اللحظات الأخيرة رغم تفوقهم الفني، واعترف المدرب بعد المباراة بأن الفريق “خاف من الفوز”، وأن اللاعبين شعروا بأن الحفاظ على التقدم أصعب من الوصول إليه. هذه الأمثلة تؤكد أن الخوف من الفوز ليس ظاهرة محلية، بل جزء من ديناميكية اللعبة على أعلى المستويات.

والخوف نتيجة الضغط النفسي، فالضغط في كرة اليد ليس حدثًا منفصلًا، بل منظومة متكاملة من المؤثرات التي تحيط باللاعب: ضغط المدرب، الجمهور، الإدارة، الخوف من خذلان الآخرين، ومن خسارة المباراة وما يترتب عليها. وفي أوروبا، يتم التعامل مع الضغط كجزء أساسي من الإعداد الرياضي. ففريق كييل الألماني، على سبيل المثال، يعتمد على جلسات نفسية أسبوعية تهدف إلى تدريب اللاعبين على تحويل الضغط إلى دافع، بينما يستخدم برشلونة تدريبات تحاكي “لحظات الحسم”، بحيث يتعلم اللاعب كيفية اتخاذ القرار تحت ضغط مشابه لما سيواجهه في المباريات الرسمية. هذه الممارسات لا تلغي الضغط، لكنها تمنح اللاعب أدوات للتعامل معه بفعالية.

أما الإعداد النفسي للفوز، فهو عملية منهجية تُبنى تدريجيًا، ولا تقتصر على كلمات تحفيزية قبل المباراة. ففي الأندية الأوروبية الكبرى، يُنظر إلى الإعداد النفسي بوصفه جزءًا من “هوية النادي”، حيث يتم تدريب اللاعبين على التصور الذهني، والتحكم في الانفعال، وإدارة التوتر، والعودة السريعة بعد الخطأ، والتركيز على اللحظة الحالية. هذه المهارات ليست رفاهية، بل جزء من ثقافة الفوز التي تُغرس في اللاعب منذ انضمامه إلى الفريق.

وتبرز علاقة معقدة بين الطموح والتردد؛ فكلما ارتفع الطموح، زاد الخوف من الفشل، وقد يتحول هذا الخوف إلى تردد يعيق الأداء. ويظهر هذا بوضوح لدى اللاعبين الشباب حيث تعتمد الأندية الأوروبية على “التدرج النفسي”، حيث يُمنح اللاعب دقائق محدودة تزيد تدريجيا في المباريات الكبيرة. هذا النموذج يثبت أن الطموح يحتاج إلى إدارة واعية.

وفي النهاية، كرة اليد ليست مجرد لعبة تعتمد على القوة والمهارة، بل هي لعبة نفسية بامتياز. الخوف، الضغط، الطموح، التردد… كلها عناصر تتحرك داخل عقل اللاعب في كل لحظة. والفريق الذي يفهم هذه العناصر ويُديرها بذكاء، هو الفريق الذي يستطيع أن يفوز، لا لأنه الأقوى فنيًا فقط، بل لأنه الأكثر جاهزية نفسيًا.  وأن الإعداد النفسي ليس ترفًا، بل شرطًا أساسيًا لصناعة فريق قادر على الفوز… دون خوف من الفوز.

بروفسور عبد العزيز المصطفى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com