كتّاب الرأي

جزاء سِنِمّار… حين تُعاقَب الكفاءة بدل أن تُكافأ

الكابتن ياسر العبيدي واحد من الأسماء التي يحق لكرة اليد السعودية أن تضعها في سجلّ كفاءاتها الوطنية المشرّفة. لاعبٌ كان من أبرز السواعد الضاربة في الخط الخلفي، ثم مدربٌ لم يكتفِ بخبرة الملعب، بل ظلّ يطارد المعرفة ويطوّر أدواته ويحضر الدورات، مؤمنًا بأن المدرب الحقيقي لا يتوقف عن التعلّم.

بدأ العبيدي رحلته التدريبية من الفئات السنية في نادي النور، حيث أمضى أكثر من عشر سنوات بين البراعم والناشئين والشباب. لم تكن تلك السنوات مجرد محطات في السيرة، بل كانت مدرسة حقيقية تعرّف فيها على تفاصيل هذه الأعمار الحساسة: مواهبها، بنياتها الجسمانية، احتياجاتها النفسية، وطرق التعامل معها فنيًا وتربويًا.

ثم جاءت محطة المنتخب السعودي للناشئين، حين عمل مساعدًا للكابتن أحمد نبيل خلال فترة رئاسة الأستاذ تركي الخليوي للاتحاد السعودي لكرة اليد. كان العمل جادًا ومنظمًا وطويل النفس، حتى جاءت الثمرة عام 2019 بالتأهل التاريخي إلى كأس العالم للناشئين في مقدونيا، في أول ظهور عالمي للمنتخب السعودي في هذه الفئة.

ذلك الإنجاز لم يكن صدفة، بل حصيلة متابعة دقيقة للمواهب في مختلف مناطق المملكة، ومعرفة واسعة بخامات اللعبة واحتياجاتها. وكان العبيدي جزءًا من جهاز فني صنع صفحة مضيئة في تاريخ كرة اليد السعودية، واكتسب خبرة لا تُشترى ولا تُختصر بدورة أو شهادة.

لكن المفارقة المؤلمة جاءت بعد رحيل إدارة الأستاذ تركي الخليوي ومجيء إدارة الأستاذ فاضل النمر؛ إذ كان من أوائل القرارات استبعاد الجهاز الفني الذي حقق ذلك الإنجاز.

وهنا يبرز السؤال:
لماذا نبني الخبرة سنوات، ثم نتخلى عنها عندما تنضج؟
ولماذا نصنع الكفاءات الوطنية، ثم نضعها خارج المشهد حين تصبح أكثر قدرة على العطاء؟

في الرياضة المتقدمة، الإنجاز يمنح صاحبه مزيدًا من الثقة، والخبرة المتراكمة تُعد أصلًا يُبنى عليه المستقبل، لا ورقة تُطوى بتغيّر الإدارات. أما أن ينجح المدرب ويشارك في صناعة إنجاز تاريخي، ثم تكون مكافأته الإبعاد، فهنا تحضر قصة جزاء سِنِمّار؛ البنّاء الذي أبدع، فكان جزاؤه أن يُلقى من أعلى القصر الذي بناه.

القضية ليست قضية شخص، بل سؤال أكبر:
هل نحسن المحافظة على خبراتنا الوطنية، أم أننا نبدأ من الصفر مع كل إدارة جديدة؟

الكابتن ياسر العبيدي نموذج لكفاءة وطنية صنعت نفسها بالصبر والعمل، وأسهمت في إنجاز تاريخي لكرة اليد السعودية. ومثل هذه الخبرات لا ينبغي أن تبقى خارج دائرة الاستفادة، لأن المنتخبات تُبنى بالتراكم والاستقرار وحفظ ذاكرة الإنجاز.

ويبقى السؤال الأخير، وهو بالتأكيد ليس بريئًا:
هل أصبح الإنجاز في بعض مؤسساتنا الرياضية طريقًا إلى التكريم… أم إلى جزاء سِنِمّار؟

كتب-زهير الضامن 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. للأسف النظرة قصيرة المدى والضعف في الحنكه القياديه بالإضافة للأجندات الشخصيه تؤدي لقرارات من شأنها إضعاف المنظومه بأكملها. سؤالي: أين نادي النور من هذه الخامة الوطنيه؟ بعد الاستغناء من الاتحاد أليس باستطاعة ياسر النهوض بكرة اليد في نادي النور؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com