من المنامة 1998 إلى بيروت 2010 – حكاية يد الأحمر مع آسيا حتى 2026

كتب – جاسم الفردان
عندما نعود إلى تاريخ كرة اليد البحرينية، لا يمكن أن نبدأ من لحظة التتويج في ٢٠٢٦م، ولا من الجيل الحالي، لأن الحكاية أقدم من ذلك بكثير. ما تحقق اليوم لم يأتِ من فراغ، وإنما هو امتداد لمسيرة طويلة تعاقبت عليها أجيال، ومرت بمحطات صنعت للبحرين مكانها في خارطة كرة اليد الآسيوية.
ولعل المنامة ١٩٩٨م كانت إحدى أهم البدايات التي تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة. ففي ذلك العام توج منتخب البحرين للشباب بطلاً لآسيا، محققاً أول لقب قاري للبحرين على مستوى الشباب، ونجح في التأهل إلى نهائيات كأس العالم للشباب في قطر، وإن تعذرت المشاركة البحرينية في النهائيات لأسباب أخرى.
كان ذلك اللقب أكثر من إنجاز لفئة عمرية؛ كان إعلاناً مبكراً عن جيل بحريني يمتلك القدرة على المنافسة، وعن قاعدة بدأت تؤكد أن كرة اليد في المملكة قادرة على صناعة أجيال تصل إلى القمة.
في العام نفسه، كان منتخب الرجال يخوض بطولة آسيا في مدينة الدمام شرق المملكة العربية السعودية، لتبدأ معه رحلة أخرى امتدت عبر بطولات 1998م و2000م و2002م و2004م و2006م و2008م.
خلال تلك السنوات، لم يكن الأحمر مجرد منتخب حاضر في البطولة الآسيوية، بل كان اسماً يتكرر بين المرشحين للمنافسة، بأجيال متعاقبة ولاعبين تركوا بصماتهم، بطموح ظل يكبر من بطولة إلى أخرى، لكن رغم هذا الحضور، بقيت هناك محطة لم يتمكن الأحمر من بلوغها وهي كأس العالم.
كانت يد المنتخب تقترب، تنافس، وتثبت قدرتها على مقارعة كبار القارة، لكن الخطوة الأخيرة ظلت مؤجلة، حتى جاءت محطة مختلفة تماماً عن أجواء الملاعب.
بيروت 2010

ذهب الأحمر إلى البطولة الآسيوية وهو يحمل معه سنوات طويلة من المنافسة، ويحمل أيضاً حلماً ظل مؤجلاً منذ أن بدأت تلك الأجيال طرق باب كأس العالم، وهناك جاءت اللحظة، في مواجهة مناف آل سعيد، أحد أبرز حراس آسيا في ذلك الوقت، وصلت الكرة إلى سعيد جوهر، فأطلق تسديدته الحاسمة نحو المرمى، لتسكن الشباك وتعلن عن اللحظة التي انتظرها البحرينيين طويلاً: البحرين تتأهل للمرة الأولى إلى نهائيات كأس العالم على مستوى الرجال كانت تلك الكرة أكبر من هدف.
كانت لحظة اختزلت سنوات من الانتظار والمنافسة، وحملت معها المنامة 1998، والبطولات الآسيوية المتتالية، قبل أن تفتح تسديدة جوهر الباب أمام البحرين نحو المسرح العالمي.
ومن بيروت، فتح الأحمر صفحة جديدة في تاريخه، بعدما حجز بطاقة التأهل إلى كأس العالم في السويد 2011، قبل أن يخوض في العام نفسه أول نهائي آسيوي له، ويخسر اللقب أمام كوريا الجنوبية. ثم تكررت المحاولة في أربع نهائيات أخرى أعوام 2014م و2016م و2018م و2022م، وفي جميعها كان العنابي القطري هو الطرف الذي قبض على الكأس.
قبل بيروت السؤال، متى تتأهل البحرين إلى كأس العالم؟، وبعد بيروت وأربع نهائيات تحول السؤال، متى تفوز البحرين بالبطولات؟
ذلك التحول لم يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه كان بداية مرحلة جديدة، مرحلة أصبح فيها الأحمر أكثر حضوراً في المواعيد الكبرى، وأكثر إصراراً على أن يكون منافساً على اللقب، لا مجرد منافس على بطاقة التأهل ،ومع مرور السنوات، ظهرت أسماء حملت هذه المرحلة، وكان حسين الصياد أحد أبرزها.
مسيرة نجم نقش التاريخ

ليس من السهل اختزال مسيرة حسين الصياد في بطولة أو جائزة، لأن قصته امتدت لسنوات طويلة، تزامنت مع مرحلة مهمة من تطور كرة اليد البحرينية.
الصياد لاعب جمع بين الأناقة والقوة والدهاء، يمتلك القدرة على صناعة الفارق بمهارته، وقراءة المباراة بخبرته، والتعامل مع اللحظات التي تحتاج إلى لاعب يعرف كيف يتحمل المسؤولية.
ومع المنتخب، كان أحد أبرز وجوه الجيل الذي حمل الراية بعد بيروت، إلى جانب أسماء من أبناء جيله، وفي مقدمتهم محمد عبدالحسين ومحمد حبيب أحمد.
جيل عاش محطات مهمة، من التأهل إلى أولمبياد طوكيو 2020، إلى سنوات المنافسة الآسيوية، حتى وصل إلى اللحظة التي انتظرتها البحرين طويلاً.
فالطريق إلى اللقب لم يكن قصيراً
بعد بيروت، واصلت البحرين الاقتراب من الكأس الآسيوية، وبلغت النهائي في خمس مناسبات قبل أن تتوج للمرة الأولى، وفي أربع من تلك النهائيات كان العنابي القطري هو الطرف الآخر الذي قبض على اللقب، بينما ظل الأحمر يعود من المشهد الأخير دون الكأس.
كانت البحرين تقترب مرة بعد أخرى، تثبت وجودها بين كبار القارة، وتصل إلى المنصة، لكن اللقب ظل بعيداً، حتى جاءت 2026، هذه المرة لم يكتفِ الأحمر بالوصول إلى النهائي، هذه المرة قبض على الكأس.
توجت البحرين بطلة لآسيا للمرة الأولى في تاريخها على مستوى الرجال، لتسقط أخيراً الحلقة التي ظلت ناقصة في سجل الأحمر طوال سنوات المنافسة القارية.
وكان حسين الصياد أحد أبرز أبناء الجيل الذي عاش هذه الرحلة من الاقتراب إلى التتويج، من مطاردة اللقب إلى رفع الكأس ،لكن الحكاية لم تتوقف عند البطولة الآسيوية.
بعد أشهر، جاء الموعد مع الألعاب الآسيوية أيتشي–ناغويا، ليضيف الأحمر ذهبية الألعاب الآسيوية إلى سجله، ويكمل واحداً من أهم فصول الصعود البحريني على مستوى القارة ،وهنا تظهر قيمة الاستمرارية.
فالصياد لم يكن لاعباً ظهر مع لحظة التتويج، بل كان جزءاً من رحلة طويلة، عاش خلالها المنتخب مراحل مختلفة، من البحث عن التأهل إلى كأس العالم، إلى البحث عن اللقب الآسيوي، ثم إلى الوصول إلى منصات التتويج.
وعلى مستوى الأندية، كتب الصياد اسمه أيضاً مع النجمة البحريني في البطولات الآسيوية، قبل أن يخوض تجربة مختلفة مع الخليج السعودي في سيهات، حيث تحول سريعاً إلى واحد من الأسماء المحبوبة لدى الجماهير، وصنع لنفسه قاعدة جماهيرية بحجم نجم.
أما الجوائز الفردية، وفي مقدمتها اختياره أفضل لاعب في آسيا مرتين، فقد أضافت بعداً آخر لمسيرة لاعب لم يكن تأثيره مرتبطاً فقط بإنجازات المنتخب أو النادي.
ومع ذلك، فإن ما يميز حسين الصياد في النهاية ليس عدد البطولات ولا الجوائز وحدها، وإنما الاستمرارية
أن يبقى حاضراً مع المنتخب عبر سنوات طويلة، وأن يصنع الفارق في المواعيد الكبرى، وأن يحمل القميص الأحمر مع أكثر من جيل، حتى أصبح اسمه جزءاً من ذاكرة كرة اليد البحرينية.
وعندما نضع كل هذه السنوات إلى جانب بعضها، تصبح الصورة أكثر وضوحاً، المنامة 1998م لم تكن مجرد بطولة شباب، بل كانت بداية مبكرة لحكاية جيل بحريني أثبت أن الطريق إلى آسيا ممكن.
ومن بعدها واصل منتخب الرجال حضوره ومنافسته عبر بطولات 1998م و2000م و2002م و2004م و2006م و2008م، وظل حلم كأس العالم مؤجلاً.
ثم جاءت بيروت 2010، حيث سدد سعيد جوهر كرته الحاسمة في مرمى مناف آل سعيد، ففتح الباب أمام أول تأهل بحريني إلى كأس العالم على مستوى الرجال.
وبعد ذلك حملت أجيال جديدة الراية، وكان حسين الصياد أحد أبرز رموزها، لتنتقل البحرين تدريجياً من حلم التأهل إلى المنافسة على البطولات.
خمس نهائيات آسيوية سبقت اللقب، وفي أربع منها كان العنابي القطري هو من يقف في الجهة الأخرى ويقبض على الكأس، ثم جاءت 2026 لتتغير الصورة ولتصبح البحرين بطلة لآسيا، ثم ذهبية الألعاب الآسيوية، وهكذا، فإن ما تحقق في 2026 ليس بداية الحكاية، وإنما فصلها الأحدث.
حكاية بدأت من المنامة 1998 ، وبلغت بيروت مع سعيد جوهر، ثم حملتها أجيال متعاقبة حتى وصلت إلى حسين الصياد ومن معه.
جيل يسلم الراية إلى جيل، وإنجاز يمهد لإنجاز، حتى تحول الأحمر من منتخب يطارد حلم التأهل إلى منتخب يطارد البطولات.
ومن سعيد جوهر التي فتح الباب، إلى صياد البطولات حسين الصياد، تبدلت الأسماء وتغيرت الأجيال، لكن القميص ظل واحداً والحكاية أيضاً لم تتوقف عند 2026م.
فإذا كانت المنامة 1998م قد صنعت البداية، وبيروت 2010م فتحت الباب، فإن ذهب 2026م يقول إن الأجيال التي جاءت بعدهما لم تكتفِ بحمل الراية، بل رفعتها إلى القمة، وهذه هي حكاية الأحمر مع آسيا.







