أخبار محلية

“يد الأهلي” أمام خطر الغياب الطويل.. هل تخسر كرة اليد السعودية أحد أعمدتها التاريخية؟

كتب – جاسم الفردان

لم يعد قرار تجميد الفريق الأول لكرة اليد بالنادي الأهلي مجرد قرار إداري داخلي يتعلق بمشاركة فريق في موسم رياضي، بل أصبح قضية رياضية تحمل أبعاداً أعمق، نظراً للمكانة التاريخية التي يمثلها الأهلي في مسيرة اللعبة السعودية، وما قد يترتب على غيابه من آثار فنية وإدارية يصعب تعويضها مستقبلاً.

فالأندية لا تبني فرقها الكبرى خلال موسم أو موسمين، بل تحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والتخطيط وصناعة اللاعبين وتكوين الهوية التنافسية. ولذلك فإن قرار التجميد لا يعني فقط غياب الفريق عن المنافسات، وإنما يعني توقف منظومة كاملة تشمل اللاعبين، الأجهزة الفنية، الفئات السنية، المواهب الصاعدة، وحتى الصورة الذهنية للنادي كوجهة رياضية لصناعة أبطال كرة اليد.

العودة مجدداً ليست سهلة

ويرى متخصصون أن أخطر ما في قرار التجميد هو الاعتقاد بأن العودة يمكن أن تكون سهلة في أي وقت، فإعادة بناء فريق منافس بعد سنوات من الغياب ليست مهمة بسيطة، خصوصاً في ظل تغير خارطة المنافسة وانتقال اللاعبين وتطور مستوى الأندية الأخرى.

فالفريق الذي يتوقف اليوم قد يجد نفسه بعد سنوات أمام واقع مختلف؛ لاعبون رحلوا، مواهب انتقلت إلى أندية أخرى، أجهزة فنية تغيرت، ومنافسون استثمروا في بناء فرقهم، ما يجعل العودة تحتاج إلى سنوات جديدة من العمل والإنفاق حتى يستعيد النادي مكانته السابقة.

كما أن اللاعب الناشئ الذي كان يرى في الفريق الأول حلماً وهدفاً قد يغير مساره عندما يفقد هذا الطريق، وهو ما يمثل خسارة غير مباشرة لمنظومة اكتشاف وتطوير المواهب.

مناشدات لحماية الإرث التاريخي

ومن هذا المنطلق، جاءت المناشدات التي أطلقتها شخصيات رياضية بارزة، وفي مقدمتها نائب رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة اليد سابقاً زهير بن محمد يحيى القرشي، الذي وجه خطاباً عاجلاً إلى صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل وزير الرياضة ورئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، وإلى معالي الأستاذ ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة، طالب فيه بالتدخل لإنقاذ فريق يمثل جزءاً من تاريخ الرياضة السعودية.

وأكد القرشي أن “يد الأهلي” ليست مجرد فريق عادي، بل أحد أكثر الفرق السعودية تحقيقاً للبطولات، برصيد يقارب 60 بطولة، وصاحب إنجازات تاريخية تمثلت في تحقيق البطولة العربية للأندية، ودوري أبطال آسيا عام 2009، وتمثيل المملكة في بطولة العالم للأندية “سوبر غلوب”.

وشدد على أن تجميد الفريق يمثل تهديداً لإرث رياضي امتد لعقود، كما أن تأثيره لن يتوقف عند النادي، بل يمتد إلى المنتخبات الوطنية التي استفادت تاريخياً من لاعبي الأهلي في مختلف الفئات.

الأزمة تكشف تحدياً أكبر للألعاب المختلفة

ويرى عدد من المهتمين أن أزمة الأهلي تعكس مشكلة أوسع تواجه الألعاب المختلفة، تتمثل في صعوبة الحفاظ على التوازن بين متطلبات كرة القدم وبين بقية الألعاب التي صنعت تاريخ الأندية السعودية.

وأشاروا إلى أن المشكلة ليست دائماً في نقص الموارد، بل في طريقة إدارة الموارد، حيث إن تضخم الإنفاق في كرة القدم قد يدفع بعض الإدارات إلى تقليص أو إيقاف ألعاب أخرى، رغم أن هذه الألعاب تمثل جزءاً من هوية النادي ومنظومته الرياضية.

وفي هذا السياق، أكد رئيس نادي الخليج السابق فوزي الباشا أن تجميد الألعاب المختلفة أصبح ظاهرة تحتاج إلى مراجعة، مشيراً إلى أن هدم فريق بني خلال سنوات طويلة أسهل بكثير من إعادة بنائه.

كما استشهد متابعون بما طرحه المعلق الرياضي الإماراتي جعفر الفردان حول تجربة بعض الأندية الخليجية، والتي كشفت عن تراجع مفهوم “النادي الرياضي الشامل” لصالح التركيز الكامل على كرة القدم، وهو تحول يهدد مستقبل الألعاب الجماعية إذا لم تتم معالجته.

الدور المنتظر من الاتحاد السعودي لكرة اليد

وفي ظل هذه التطورات، يبرز دور الاتحاد السعودي لكرة اليد باعتباره الجهة المسؤولة عن حماية اللعبة وتطويرها، رغم أن قرار التجميد يبقى ضمن صلاحيات إدارة النادي الأهلي.

ويتمثل دور الاتحاد في هذه المرحلة في التحرك على أكثر من مسار، يبدأ بالتواصل المباشر مع إدارة النادي لمعرفة أسباب القرار، وفتح باب الحوار للوصول إلى حلول تحفظ مصالح جميع الأطراف، مع التأكيد على أهمية استمرار أحد أكبر الأندية تأثيراً في تاريخ اللعبة.

كما تقع على الاتحاد مسؤولية دراسة الآثار الفنية المترتبة على غياب الأهلي عن المنافسات، خصوصاً فيما يتعلق بمستوى الدوري، وتنافسية البطولات، وتأثير ذلك على قاعدة اختيار لاعبي المنتخبات الوطنية.

ولا يقتصر الأمر على الأزمة الحالية، بل ينبغي أن تكون هذه الحالة فرصة لمراجعة شاملة لمنظومة الألعاب المختلفة، عبر وضع مقترحات تساعد على استدامتها، سواء من خلال حوافز للأندية المحافظة على فرقها، أو أنظمة تنظيمية تحمي الاستثمار في الفئات السنية، أو شراكات تدعم استمرار الأندية التاريخية.

كما يمكن للاتحاد أن يلعب دور الوسيط بين النادي والجهات الرياضية المعنية، من خلال تقديم رؤية فنية تؤكد أن الحفاظ على الأندية الكبرى في الألعاب المختلفة يمثل استثماراً في مستقبل الرياضة السعودية وليس عبئاً مالياً.

الحفاظ على التاريخ مسؤولية جماعية

قضية “يد الأهلي” أصبحت اليوم أكبر من مجرد استمرار فريق أو توقفه؛ فهي اختبار حقيقي لقدرة المنظومة الرياضية على حماية إرث الألعاب المختلفة في مرحلة تشهد تطوراً كبيراً في القطاع الرياضي.

فالإنجازات التي صنعتها الأندية عبر عقود لا يمكن التعامل معها كأرقام في سجلات البطولات فقط، بل هي خبرات وتقاليد ومدارس رياضية. وخسارة فريق بحجم الأهلي قد تكون سهلة في لحظة قرار، لكنها ستكون أكثر صعوبة عندما تأتي لحظة البحث عن العودة.

ولهذا فإن المطلوب ليس فقط منع الغياب، بل حماية منظومة كاملة حتى لا يصبح استعادة الماضي مشروعاً جديداً يحتاج إلى سنوات طويلة من البناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com