مواءمة الكفاءة المالية مع متطلبات التميز القاري والدولي

تُعدّ الكفاءة المالية في الأندية الرياضية عنصرًا محوريًا في تطوير الرياضة ورفع مستوى التنافسية، ويجب أن ترتبط مباشرة بالإنجازين القاري والدولي لضمان توجيه الموارد نحو نتائج ملموسة. فربط الصرف بالإنجازات يعزز جودة التخطيط، ويحدّ من الهدر، ويضمن أن يذهب الدعم للأندية القادرة على تحويل الإنفاق إلى إنجاز رياضي حقيقي. وبناءً على ذلك، تصبح الكفاءة المالية أداة استراتيجية وليست مجرد التزام محاسبي، إذ تمثل الأساس الذي تُبنى عليه منظومة رياضية قادرة على المنافسة خارج الحدود.
ويمثل إعلان اتحاد كرة اليد السعودي لمتطلبات الكفاءة المالية خطوة إيجابية، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن فجوة هيكلية تتجاوز اللعبة، خصوصًا مع حالات الانسحاب الناتجة عن ضغوط مالية وتنظيمية مختلفة. وهذا يؤكد الحاجة إلى معالجة شاملة تتكامل فيها أدوار الأندية والاتحاد والوزارة واللجنة الأولمبية ضمن إطار موحد يحدد المسؤوليات ويمنع تداخلها، بما يضمن استدامة العمل الرياضي ويعزز القدرة على تحقيق نتائج قارية ودولية.
وفي هذا السياق، يصبح التطبيق المرحلي للإصلاحات المالية ضرورة لتمكين الأندية المثقلة بالديون، خصوصًا تلك التي تزوّد المنتخبات الوطنية باللاعبين، من التكيف خلال الفترة الانتقالية. ويتطلب ذلك متابعة دقيقة لخطط السداد، فيما تعمل الأندية على تحسين جاهزيتها الإدارية والمالية وبرمجة ديونها بالتنسيق مع الوزارة لضمان عدم التعثر، بما يخلق بيئة مالية أكثر استقرارًا تسمح بالتركيز على الأداء الفني.
وتشدد إدارات الأندية أن إلزامية العقود الاحترافية بصيغتها الحالية لا تتناسب مع واقع الألعاب الجماعية، إذ أدت إلى ارتفاع غير مبرر في قيمة العقود وظهور مزايدات تستنزف ميزانيات الأندية دون مردود فني واضح. ويعود ذلك إلى أن البنية التنظيمية والفنية لهذه الألعاب لم تصل بعد إلى مستوى الاحتراف الكامل الذي يبرر عقودًا طويلة ومرتفعة القيمة، مما يجعل الالتزامات المالية الحالية غير منسجمة مع مستوى التطور الفني. ومن هنا تظهر الحاجة إلى مراجعة إلزامية العقود الاحترافية السابقة، مع إخضاع المصروفات المرتبطة بها لمعايير الحوكمة وقياس أثرها الفعلي على الإنجاز القاري والدولي منذ بدء تطبيق النظام، لضمان توظيف الموارد بطريقة تحقق قيمة مضافة وتدعم تطوير اللعبة بدل أن تتحول إلى أعباء مالية بلا نتائج.
ومن منظور استراتيجي، يجمع رؤساء الأندية أن توجيه استثمارات الوزارة نحو البنى التحتية الرياضية من ملاعب ومراكز تدريب ومسابح خيار أكثر جدوى على المدى الطويل، خصوصًا مع توجه المملكة لتنظيم بطولات رياضية عالمية. فالاستثمار في البنية التحتية يسهم في تكوين جيل قادر على المنافسة القارية والعالمية، مقارنة بالإنفاق على عقود لا تحقق عائدًا مستدامًا ولا ترفع المستوى الفني.
كما يمكن إعادة هيكلة المكافآت وفق نموذج أكثر عدالة واستدامة، على غرار ما أقرته وزارة الرياضة في دورة الألعاب السعودية، بحيث تُمنح المكافآت للأندية بحسب مراكزها، ويُخصص جزء منها — مثل 30% — للاعبين وفق آلية واضحة، بما يضمن التحفيز دون خلق التزامات مالية إضافية أو ديون جديدة، ويعزز العدالة في توزيع العوائد.
وأخيرًا، يشكّل تنظيم انتقالات اللاعبين ركيزة أساسية في أي منظومة رياضية حديثة، من خلال حفظ حقوق الأندية التي أسهمت في تكوين اللاعب عبر آلية مالية تعكس قيمة الاستثمار في الفئات السنية وبرامج الإعداد. ويسهم ذلك في عدالة توزيع العوائد، وتحفيز الأندية على مواصلة تطوير المواهب، وتعزيز استدامة صناعة الأبطال، بما يدعم الهدف الأهم: رفع مستوى الإنجاز القاري والدولي.
بروفسور عبد العزيز المصطفى






