كتّاب الرأي

مقاربة تحليلية نحو منهجية اختيار مدرب كرة اليد

يمثل تقرير رئيس التحرير حول لقاء المدرب طارق محروس مدخلًا مهمًا لإعادة التفكير في منهجيات العمل داخل مراكز التدريب، وفي طبيعة المعايير التي يجب أن تُعتمد عند اختيار المدربين، خصوصًا في تطوير الفئات العمرية في الألعاب الجماعية مثل كرة اليد.

ما طرحه الكابتن طارق محروس حول أهمية التأسيس المبكر يتوافق بصورة دقيقة مع ما أثبته علم التدريب. فالنموذج الفرنسي، على سبيل المثال، يبدأ فيه اللاعب التدريب المنظم في سن مبكرة تتراوح بين 6 و8 سنوات، ثم ينتقل تدريجيًا إلى التدريب التخصصي، وصولًا إلى مرحلة الانتقاء النخبوي. وتشير الأبحاث إلى أن ما يقارب 80% من مهارات اللاعب المحترف تتشكل قبل بلوغه سن 14 عامًا، وهو ما يفسر قدرة فرنسا على إنتاج لاعبين جاهزين للمنافسة الدولية في سن صغيرة.

أما إسناد تدريب الناشئين لمدربين ذوي خبرة، فالمدرب الخبير يتخذ قرارات أسرع بنحو 30% مقارنة بالمدرب المبتدئ، كما يمتلك قدرة أعلى على اكتشاف الأخطاء الفنية الدقيقة قبل أن تظهر بوضوح في الأداء. هذا المبدأ هو ما تطبقه أكاديمية برشلونة الشهيرة لاماسياالتي خرّجت أسماء مثل ميسي حيث تعتمد على مدربين متمرسين للعمل مع الفئات من 8 إلى 14 عامًا لضمان تأسيس قوي ومستقر. ويعزز هذا التوجه ما قام به الاتحاد الألماني لكرة القدم بعد أزمة عام 2000، إذ اشترط أن يمتلك مدربو مراكز تطوير المواهب خبرة لا تقل عن 10 سنوات. وكان مخرجاته ظهور جيل 2014 الذي حقق كأس العالم.

أما فيما يتعلق بالموهبة والمهارة، فإن الدراسات تشير إلى أن الموهبة تفسّر فقط 20–30% من نجاح اللاعب، بينما يفسّر التدريب الموجّه 70–80% من هذا النجاح. كما أن البيئة التدريبية الجيدة قادرة على رفع مستوى لاعب متوسط ليصل إلى مستويات عالية، في حين قد تتلاشى الموهبة في بيئة فقيرة فنيًا أو نفسيًا. وهذا يعني أن الموهبة ليست شرطًا مطلقًا للنجاح، بل عامل مساعد يحتاج إلى رعاية وتوجيه.

ومن أبرز تحديات التدريب في الفئات العمرية التحميل البدني الخاطئ، إذ تشير الدراسات إلى أن 60% من إصابات الكتف والركبة لدى لاعبي كرة اليدتعود إلى أخطاء فنية تحدث في عمر 12–15 سنة. مثل هذه الأخطاء قد تؤدي لاحقًا إلى إعاقات في النمو وتشوهات في ميكانيكية الحركة والقفز والرمي. كما أن سوء الإعداد النفسي قد يقتل الشغف مبكرًا، ويؤدي إلى انسحاب اللاعب من الرياضة قبل أن يصل إلى مرحلة النضج الرياضي.

أما فيما يتعلق بالمدرب الذي يعتمد على الظهور الإعلامي — سواء للترويج المهني أو لتعويض نقص الخبرة — فإن الدراسات تشير إلى أن هذا النمط من المدربين يفقد ثقة اللاعبين بنسبة تصل إلى 40% أسرع مقارنة بالمدرب الذي يبني حضوره على العمل الميداني والإنجازات الفعلية. فالمعيار الحقيقي لنجاح المدرب ليس حجم حضوره الإعلامي، بل جودة ما يقدمه داخل الملعب.

وفيما يخص قياس نجاح المدرب، فإن الأمر لا يُختزل في عدد اللاعبين الذين يصعدون إلى الفريق الأول، بل في جودة التطور الذي يحققه اللاعب على المستويات النفسية والبدنية والتكتيكية، إضافة إلى انخفاض معدل الإصابات، وقدرة المدرب على الاستمرار وتحقيق الاستقرار لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وفق معايير الاتحاد الدولي لكرة اليد. فالنجاح الحقيقي يتمثل في بناء لاعب متكامل، لا مجرد تصعيد أسماء دون أساس متين.

وفي المحصلة، فإن تطوير منظومة الفئات السنية ليس قرارًا إداريًا عابرًا، بل مشروع طويل المدى يحتاج إلى بيئة تدريبية منظمة، ومدربين يجمعون بين العلم والخبرة، ودعم إداري ومالي مستمر، ورؤية واضحة، وبرامج تطوير تمتد لسنوات .

بروفسور عبد العزيز المصطفى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com