التأهيل النفسي في المنظومة الرياضية

في الوقت الذي تتسارع فيه خطوات تطوير الرياضة السعودية نحو الخصخصة والاحتراف، وتحديث منظومات العمل. يبرز الي المراقبين اهمية الجانب النفسي ، الذي يوجب على جميع متظومة الرياضة.
وهذا لا يتعلق باللاعبين وحدهم، بل يمتد ليشمل الحكام، والإداريين، والإعلاميين، وحتى الجماهير. فكل عنصر داخل المنظومة الرياضية يتأثر ويؤثر نفسيًا، ومع ذلك ظلّ التأهيل النفسي في الهامش، رغم أنه أحد أكثر العوامل حساسية وتأثيرًا في جودة الأداء الرياضي واظهار الانتماء الجماهيري بصورة ترقى الي مستوي التطوير.
فالحكم ليس مجرد مراقب للمباراة، بل هو صانع قرار لحظي، تحت ضغط جماهيري وإعلامي هائل، وفي بيئة مشحونة بالتوتر والانفعال.
أي خلل نفسي — كالتردد، أو القلق، أو ضعف التحكم في الانفعال — قد ينعكس مباشرة على دقة القرار، وبالتالي على عدالة المنافسة ونتيجة المباراة.
وعلى سبيل المثال رغم الجهود التي بُذلت في هذا الجانب داخل اتحاد كرة القدم السعودي، خصوصًا خلال فترة رئاسة الأستاذ عمر المهنا للجنة الحكام، فإن التركيز ظلّ منصبًا على الجوانب البدنية والفنية، بينما بقي الجانب النفسي حضورًا خجولًا وغير مؤسسي.
حتى الدراسات التي أُنجزت حول الحكام السعوديين بقيت جهودًا فردية لم تتحول إلى منهج علمي مستدام.
ايضا هناك بعض الاتحادات الرياضية تعتمد على حكام سابقين لتقديم دعم نفسي لزملائهم.
لكن هذا النهج أثبت محدوديته.
فالخبرة، مهما كانت عميقة، لا تُغني عن وجود مختصين في علم النفس الرياضي يمتلكون أدوات علمية، واختبارات مقننة، وبرامج تدخل مبنية على أسس بحثية.
الحكم يحتاج إلى ما هو أبعد من النصائح العامة.
يحتاج إلى:
• تقييمات نفسية دورية
• ملف نفسي فردي
• خطط تدخل تتناسب مع كل حكم بصوره مستقلة
• تدريب على إدارة الضغط والقلق والانفعالات
• برامج لتعزيز الثقة وسرعة اتخاذ القرار
هذه ليست كماليات، بل متطلبات أساسية لحكم قادر على الثبات في أصعب اللحظات.
وينطبق ذلك على الإداريين والإعلاميين…
المنظومة الرياضية لا تتشكل من اللاعبين والحكام فقط.
الإداريون يتخذون قرارات حساسة، ويقودون مجموعات بشرية، ويتعاملون مع أزمات متكررة.
غياب التأهيل النفسي يجعل بعضهم يتخذ قرارات انفعالية، أو يرسل رسائل سلبية للفريق، أو يخلق بيئة توتر بدل بيئة أداء.
أما الإعلامي، فهو صانع الرأي العام.
خطابه قادر على تهدئة المشهد أو إشعاله.
غياب الوعي النفسي لدى الإعلام الرياضي يؤدي أحيانًا إلى تضخيم الأخطاء، وخلق بيئة عدائية تجاه الحكام أو اللاعبين، ما ينعكس على الملعب مباشرة.
حتى الجمهور يتأثر بما يسمعه ويشاهده. رفع وعيه النفسي ينعكس على سلوك المدرجات، ويقلل الاحتقان، ويعزز ثقافة المنافسة الشريفة.
مع تطبيق الحوكمة في الرياضة السعودية، وارتفاع مستوى الاحتراف، لم يعد مقبولًا أن يبقى الجانب النفسي خارج المنظومة.
إنشاء وحدة متخصصة في علم النفس الرياضي داخل لجان الحكام — بل داخل الاتحادات الرياضية عمومًا — لم يعد خيارًا، بل ضرورة لضمان:
• تقليل الأخطاء الناتجة عن الضغط
• رفع جودة الأداء التحكيمي
• دعم الحكام الشباب
• تعزيز الاستقرار النفسي للحكام الدوليين
• تحسين صورة الحكم أمام الجمهور
هذه الوحدة ستكون بمثابة “مركز ثقل” جديد داخل المنظومة، تمامًا كما أصبحت تقنية VAR جزءًا أساسيًا من التحكيم الحديث.
التحكيم لم يعد يعتمد على اللياقة البدنية ومعرفة القانون فقط، بل على الجاهزية الذهنية التي تضمن ثبات الحكم في اللحظات الحرجة.
والإدارة الحديثة لم تعد تعتمد على القرارات فقط، بل على الوعي النفسي.
والإعلام الحديث لم يعد يعتمد على الإثارة فقط، بل على المسؤولية.
ومع التحولات الكبيرة التي تشهدها الرياضة السعودية، يبدو أن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار للتأهيل النفسي، وتحويله من هامش مُهمَل إلى ركيزة أساسية في بناء منظومة رياضية متوازنة، عادلة، وقادرة على المنافسة.
واخيرا إذا أردنا رياضة احترافية حقيقية، فلا بد أن نُعيد النظر في مفهوم “الجاهزية”.
فالجاهزية ليست بدنية، ولا فنية فقط، بل نفسية قبل كل شيء.
التأهيل النفسي ليس رفاهية… بل ضرورة.
وكلما أسرعنا في إدماجه داخل المنظومة، كلما اقتربنا من رياضة أكثر نضجًا وعدالة وجودة.
بقلم : بروفسور عبدالعزيز المصطفى






