يقولون

حين يُغيَّب المرجع يصاب التحكيم بمقتل

بقلم – جاسم الفردان

في كل بطولة، يُعاد المشهد ذاته: جدل تحكيمي، انتقادات للحكام، وتشكيك في القرارات والقدرات. وغالبًا ما يُختصر النقاش في صافرة أخطأت أو حكم لم يُحسن التقدير، بينما يتم تجاهل السبب الأعمق.

التحكيم لا ينهار بسبب خطأ واحد، فالأخطاء جزء من اللعبة. لكنه يبدأ بالتراجع حين تُغيَّب المرجعية الفنية التي تُنظّم الفهم، وتُوحّد التفسير، وتمنح الحكم الثقة في قراره.

عندما يُبعد خبير تحكيمي معترف به دوليًا، كان مرجعًا للحكام في تفسير الحالات المعقدة وشرح القوانين، فإن ذلك لا يمكن وصفه بإجراء إداري عادي. بل هو قرار يترك فراغًا فنيًا واضحًا، ويدفع الحكام للاجتهاد الفردي في مواقف لا تحتمل التباين مع ضعف التوجيه والقيادة، المنظومات التحكيمية القوية لا تخشى الخبرة، ولا تُقصيها بسبب اختلاف الرأي.
على العكس، هي تحمي الكفاءات وتستثمرها، لأن التطوير لا يتم بإبعاد العارفين بالقانون، بل بالاستفادة منهم.

وفي البطولات الكبرى، لا تُحسم المباريات داخل الملعب فقط، بل تُحسم قبل ذلك، في قاعات الشرح، وفي توحيد الرؤية الفنية، وفي إعداد الحكم نفسيًا وفنيًا. وحين يغيب هذا الدور، تتعدد التفسيرات، وتزداد الأخطاء، ويتحول الحكم إلى هدف سهل للنقد.
الأخطر من قرار الإبعاد نفسه، هو الرسالة التي تصل إلى الحكام الشباب
أن المعرفة لا تمنح الأمان.
وأن التميز قد يتحول إلى عبء.
وأن التحفظ أحيانًا هو الخيار الأسلم.
وهذا هو المتبع حاليا السير بجانب الحائط بخطوات خفيفة والحديث بهمس لا يسمع.
وهذه رسالة لا تُنتج حكمًا واثقًا، ولا منظومة متطورة.
تطوير التحكيم لا يتحقق بالشعارات ولا بالقرارات الإدارية المجردة، بل ببناء بيئة تحترم المرجعية، وتدعم الحكم، وتُقدّر الخبرة قبل أن تحاسبه على الخطأ، قد تُدار المباريات دون وجود المرجع، لكن التحكيم لن يتقدم في غيابه.
وإذا استمر تغييب من يُجيد قراءة القانون، فإن المشكلة لن تكون دائما في الحكم داخل الملعب، بل في القرار الذي يُتخذ خارجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com